بشائر المجتمع

في أربعينيته… السيد علي السلمان نموذج العالم المنهجي والامتداد الرسالي

خطبة الجمعة لسماحة العلامة السيد هاشم السلمان في الأحساء

بشائر: الأحساء

في خطبة الجمعة الماضية، ألقى سماحة العلامة السيد هاشم السلمان كلمته في جامع آل الرسول بعنوان: «السيدة خديجة وسيرة العلماء نموذج الامتداد الرسالي»، غير أن المحور الأبرز الذي استحوذ على مساحة واسعة من الخطبة كان الوقوف عند أربعينية رحيل آية الله سماحة السيد علي السيد ناصر السلمان، وقراءة أثره العلمي والرسالي والاجتماعي بوصفه امتداداً حيّاً لخط العطاء في الإسلام.

أربعينية عالم… قراءة في الفراغ والأثر

استهل سماحته حديثه عن المناسبة بالتأكيد على أن مرور أربعين يوماً على رحيل السيد علي السلمان لا يمثل محطة استذكار عاطفي فحسب، بل فرصة لمراجعة مشروع علمي ورسالي ترك أثراً عميقاً في الواقع الديني والاجتماعي.

وبيّن أن رحيل العلماء ليس حدثاً عابراً، مستشهداً بما ورد عن أمير المؤمنين (ع): «إذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء»، في إشارة إلى أن غياب العالم يحدث فجوة معرفية وتربوية لا تُعوَّض بسهولة، لأن لكل شخصية عطاؤها الخاص وبصمتها الفريدة.

وأوضح أن الشعور العام بالفراغ بعد رحيله يعكس حجم حضوره وتأثيره، وأن السؤال المتكرر: «من يملأ هذا الفراغ؟» إنما يكشف عن مكانته المركزية في المشهد العلمي والإرشادي.

مسيرة علمية مبكرة… من الأحساء إلى النجف

واستعرض سماحته المسار العلمي للراحل، مبيناً أنه بدأ طلب العلم في سن مبكرة بالأحساء، ثم هاجر إلى النجف الأشرف في الخامسة عشرة من عمره، حيث واصل تحصيله العلمي حتى عاد إلى البلاد عام 1395هـ.

وخلال إقامته في النجف، حضر دروس كبار المراجع أمثال السيد محسن الحكيم وأبو القاسم الخوئي، كما كان من أوائل طلبة الشهيد محمد باقر الصدر في دورته الأولى، وهو ما يعكس حضوره المبكر في الحلقات العلمية المتقدمة.

ولم يكن – كما أوضح – طالب علم منزوياً، بل كان فاعلاً في الوسط الحوزوي، يعقد جلسات حوارية أسبوعية في منزله بالنجف يحضرها جمع من العلماء، وأسهم في تخريج عدد من الشخصيات التي بلغت مراتب الاجتهاد لاحقاً.

دعم الحوزة… ورعاية المسار العلمي

ومن أبرز المحاور التي توقف عندها سماحته، الدعم الحوزوي الذي قدمه السيد علي السلمان، سواء عبر الإشراف العلمي أو رعاية الطلبة أو دعم المشاريع العلمية، مؤكداً أن هذا الجانب يمثل ركناً أساسياً في مشروعه، إذ لم يقتصر دوره على التدريس، بل شمل الإسناد والتأهيل وصناعة الكوادر.

وأشار إلى أن هذا الامتداد العلمي هو الامتداد الحقيقي لخط الرسالة، إذ إن بقاء العلم وتداوله بين الأجيال هو الضمانة لاستمرار الحضور الديني الواعي في المجتمع.

الحضور الرسالي والاجتماعي

وتناول الخطيب الجانب الرسالي في شخصية الراحل، مبيناً أن نشاطه لم يكن محصوراً في نطاق جغرافي ضيق، بل امتد إلى مناطق متعددة عبر المحاضرات والندوات والمشاركات الإرشادية، حيث كان حضوره يترك أثراً واضحاً في التوجيه والتوعية.

أما على المستوى الاجتماعي، فقد وُصف بأنه كان واسع العلاقات، قريباً من الناس، حاضراً في أفراحهم وأتراحهم، حتى بات كل مجتمع يظن أنه الأقرب إليه، في دلالة على عمق تواصله واحتوائه.

الدقة والنظام… سمة منهجية لا شكلية

وخصص سماحته مساحة مهمة للحديث عن أبرز سمات الراحل، وهي «الدقة والنظام»، مؤكداً أنها لم تكن سلوكاً عارضاً، بل منهجاً متكاملاً شمل عبادته، ودرسه، وخطابه، ومواعيده، وحتى تفاصيل حياته اليومية.

ففي الصلاة، كان معروفاً بعنايته الدقيقة بآدابها ومستحباتها.

وفي دروسه، تميز بوضوح العرض وترتيب الأفكار.

وفي مواعيده، عُرف بالالتزام الصارم بالوقت، احتراماً لقيمة الزمن وعدم إهداره.

واعتبر الخطيب أن هذه السمة تعكس وعياً عميقاً بالمسؤولية، لأن احترام النظام يعني احترام القيم والناس والأوقات. وربط ذلك بوصية أمير المؤمنين (ع) الواردة في نهج البلاغة: «بتقوى الله ونظم أمركم»، مبيناً أن النظام قيمة إيمانية قبل أن يكون إجراءً تنظيمياً.

وأضاف أن الأمة التي تحترم النظام تحفظ طاقاتها وتحقق إنتاجيتها، بينما الفوضى تهدر الجهود وتبدد الإمكانات، مؤكداً أن استلهام هذه السمة من حياة الراحل يمثل أصدق صور الوفاء له.

من الرثاء إلى الاقتداء

وشدد سماحته على أن إحياء ذكرى العالم لا يكون بالبكاء والاسترجاع فقط، بل بإعادة قراءة سيرته واستخراج الدروس العملية منها، وتحويلها إلى منهج سلوكي في الواقع الفردي والاجتماعي.

وختم بالدعاء للراحل بالرحمة الواسعة، مؤكداً أن فقده لم يكن فقد شخص فحسب، بل فقد منهج ومشروع حيّ، داعياً إلى استمرار خطه العلمي والرسالي عبر الأجيال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى