أقلام

محمد الخليفة (بو ياسر) البذور والثمار: قصة نجاح

عبد الله البحراني

الحاج محمد عبد الله حسن الخليفة (بو ياسر)، شخصية مرموقة في أسرته والمجتمع، ويعد من أوائل من التحق بالجامعة في أسرته الكريمة، دمث الأخلاق جاد في حياته. ساعد الكثيرين في حدود إمكاناته وصلاحياته، والده الحاج عبد الله بن حسن الخليفة من المؤمنين الأخيار عرف بأخلاقه العالية، أبناؤه محمد (بو ياسر) حسين (بو نزار) م. علي (بو وائل) د. عبد الجليل (بو محمد) وكريمة واحدة[1].

عمل أبو ياسر مبكرًا ليعين والده في رعاية الأسرة وضحى في سبيل ذلك بالكثير، كما عمل بجد ليوفق بين الدراسة والعمل، أنهى دراسته الجامعية في كلية التجارة بجامعة الملك سعود[2]، وتقلد عدة مسؤوليات إدارية مهمة في مرافق الدولة، ومنها مدير عام مكتب العمل في المنطقة الشـرقية.

العمل والدراسة بالتوازي

يقول أبو ياسر (رحمه الله): كان سماحة الشيخ عبد الله بن الشيخ محسن الخليفة الداعم والمشجع الأول لالتحاق أبناء العائلة الذكور بالمدارس الحكومية، وكان ابنه محمد (بو جلال) أول من التحق بالدراسة الحكومية النظامية من أبناء الخليفة[3].

وهكذا تفاعلت الأسرة مع دعوة سماحة الشيخ عبد الله، ففي إحدى السنوات التحق ثلة من أبناء العائلة بالمدرسة الحكومية، وفي السنة التالية انضمّ محمد الخليفة (بو ياسر) بالركب بعد أن أكمل تعليمه التقليدي عند المطوعة (فاطمة بنت عبد الله السلطان) ثم لدى المعلم القدير السيد ياسين الموسوي (رحمه الله)[4]، وقد أعطاه ذلك أفضلية بالقبول في السنة التالية بالصف الثاني الابتدائي مباشرة ويلتحق بمن سبقه في المدرسة[5].

وبعد أن أنهى (بو ياسر) السنة الأولى بالمرحلة المتوسطة ونظرًا لبعض الظروف الاقتصادية دخل معترك العمل وعمره دون العشـرين، وكانت أول وظيفة له في مكتب العمل بالأحساء، ولكنه لم ينقطع عن الدراسة فقد أنهى دراسة المرحلة المتوسطة في المساء (ليلي) وذلك بجانب العمل في النهار. وخلال عمله بوزارة العمل في المنطقة المحايدة وفي الرياض حصل على الشهادة الثانوية العامة بنظام الانتساب، وتبعها بالدراسة في معهد الإدارة منتسبًا أيضًا[6].

وقد دفعه طموحه وهمته العالية بأن يلتحق بجامعة الرياض (جامعة الملك سعود حاليًا) بنظام الانتساب، وكانت مرحلة في غاية الأهمية حيث التشكيل والنضج الأكاديمي والمهني، فقد كانت الدراسة في الثلاث السنوات الأولى أثناء العمل في الرياض، أما المرحلة الأخيرة في الجامعة فقد شهدت تنقلات كثيرة لظروف العمل بين الرياض ومدينة الدمام والمنطقة المحايدة وأخيرًا العودة إلى مدينة الرياض، ولذلك فقد واجه صعوبات وعوائق كبيرة في أثناء الدراسة الجامعية، ومنها التوفيق بين العمل والدراسة والعائلة والامتحانات، وكانت فترة الاختبارات (في غالبية الأحيان) مقتطعة من إجازته السنوية، ولكنه وبفضل من الله ودعاء الوالدين تمكن من الحصول على درجة البكالوريوس في الاقتصاد والسياسة[7].

مسيرته العملية:

حياته العملية مليئة بالترحال والتحديات والنجاح، فقد تنقل كثيرًا وحقق الكثير من الإنجازات، انتقل لمكتب المنطقة الشـرقية بالمنطقة المحايدة، ثم لمدينة الخبر مفتشًا ومحققًا في القضايا العمالية، وبعدها مساعد رئيس قسم (بين عام 1968 – 1969م)، وبعد عدة سنوات تمت ترقيته مديرًا لمكتب العمل في الخبر، وفي عام ١٣٩٩ هجري حصل على ترقية مساعد للمدير العام لمكتب العمل الرئيس في الدمام. وبعد عدة سنوات حصل على المرتبة 13 مديرًا عامًا لمكتب العمل في المنطقة الشـرقية، واستمرت خدمته في هذه الوظيفة حتى التقاعد عام 1420 هجري[8].

وبترشيح مباشر من الأستاذ محمد بن علي الفايز (وزير العمل في ذلك الوقت) كان أحد أعضاء وفد المملكة العربية السعودية في الاجتماعات السنوية لمنظمة العمل الدولية في جنيف بسويسـرا لاثني عشـرة سنة متوالية، كما شارك في مراجعة قانون العمل السعودي في نسخته التي سبقت تقاعده مباشرة، وهكذا قضـى سنوات في العمل والدراسة ورعاية الأسرة وكانت الثمار طيبة على المستوى العائلي والوظيفي وسمعة عطرة في عمله والمجتمع.

مصاعب وتحديات:

يقول الأستاذ محمد الخليفة بو ياسر (رحمه الله): قد يكون أحد التحديات التي يواجها الإنسان محاولة التوفيق بين تميزه في عمله والدراسة وبين واجباته الاجتماعية، وأسأل الله أني قد وفقت في الجمع بين الاثنين، وإحدى التحديات التي غيرت كثيرًا في مجرى حياتي ولله الحمد على كل حال، حالتي الصحية التي استدعت عدة عمليات جراحية في العمود الفقري في وقت مبكر من عمري، مما أدى في السنوات الأخيرة إلى مضاعفات وانتهاءً بالتقاعد.

والعمل الوظيفي طريق مليء بالمصاعب والتجارب المهنية والشخصية، ولقد أتاحت لي الوظيفة فرصة التعرف على شخصيات متعددة من مختلف المناطق والخلفيات الاجتماعية، وهذا ولله الحمد أحد الأبواب المهمة التي أتاحت لي فرصة خدمة المجتمع بقدر المستطاع، ولعل هذا أحد واجباتي حيث وفقني الله أن أكون في هذا المكان، ولعل حديث المرء عن نفسه منقصة [9]. انتهى حديث أبي ياسر.

الأستاذ عبد المجيد النصير يقول:

تعود بداية معرفتي بالأستاذ أبي ياسر الخليفة عندما كنت أعمل باحثًا اجتماعيًا في الشؤون الاجتماعية، فقد كانت وزارة العمل في ذلك الوقت مكونة من وكالتين، وكالة الشؤون الاجتماعية والأخرى لشؤون العمل، قدمت مسابقة على وظيفة شاغرة في مكتب العمل بالخبر وكان مديرًا لمكتب العمل بمدينة الخبر في التسعينات الهجرية، وعملت محققًا في القضايا العمالية ثم مفتش عمل.

وبعد عدة سنوات (تقريباً ٧ سنوات) أصيب مدير عام مكتب عمل الدمام الأستاذ الرميح بمرض أقعده عن العمل، وقامت الوزارة بترشيح الأستاذ محمد عبد الله الخليفة مديرًا عامًا لمكتب الشـرقية والمنطقة الشمالية، وعرض (بو ياسر) على الانتقال من الخبر لمكتب العمل بالدمام، وهكذا عملت تحت إدارة هذا الرجل ولسنوات، وهو بحق إداري ناجح قاد مكتب العمل بنجاح طوال توليه تلك المهمة.

وكان محمد الخليفة يحظى بثقة الوزير شخصيًا طوال إدارته لمكتب العمل في المنطقة الشـرقية، وكان يرافق الوزير لحضور مؤتمرات العمل الدولية السنوية في جنيف، والرجل مدرسة فقد تعلمنا واكتسبنا من خبراته الكثير، كان حازمًا ولكن بأسلوب حضاري، يسعى لتطوير موظفيه قريبًا منهم، يعرف شخصياتهم وطموحاتهم، ولديه أريحية وحسن تعامل مع الجمهور، يحب عمله ويتفانى من أجله. قمة في النزاهة، طريقته إحقاق الحق والمساعدة ومد يد العون لمن يحتاج وذلك ضمن صلاحياته[10]. انتهى حديث بو محمد النصير.

قصة نجاح

وفي حياة محمد الخليفة (بو ياسر) فصول مهمة وصفحات تنضح بالعصامية ومواجهة التحديات، حيث العمل على مواصلة دراسته من المرحلة المتوسطة وحتى الجامعة أثناء العمل، وفي مجال عمله كان مثالًا للمدير الناجح الذي حاز ثقة الوازرة وتقدير واحترام العاملين معه، وأجمع من تحدثتُ معهم على دماثة خلقه وتواضعه للصغير والكبير، وعلى الرغم من مصاعب الحياة والمشاكل الصحية كان كثير (الحمد والشكر لله) على نعمه، وفي هذا درسٌ في الإيجابية والنظر للصورة الأكبر في هذه الحياة.

وصفه م. أحمد المطر بقوله: تميز الحاج بو ياسر الخليفة (رحمه الله): بالثقافة الواسعة والحنكة الإدارية، وسداد الرأي.

درس في المسيرة:

وبجديته وعصاميته فقد مهد لأشقائه وللأبناء طريق النجاح، وأنه يمكن تحويل العقبات إلى فرص، وتمثل حياة الأخ (أبو ياسر) مشـروعًا لكتاب ناجح، حيث يمكنه أن يضع فيه خلاصة تجاربه وخبراته، وخصوصًا في مجال تاريخ الأسرة والمجتمع والإدارة، لأنه عاصر القديم والحديث، ونحن أمام تجربة غنية ستكون ملهمة للجميع وخصوصًا الشباب. تم إعداد هذا المقال في حياة أبا ياسر ضمن كتاب مخطوط عن سماحة العلامة الشيخ حسين الخليفة.

انتقل الى رحمه الله يوم الجمعة الموافق 7/2/2025 ودفن بمقبرة الشعبة بالمبرز بجوار والده. عليه من الله الرحمة والمغفرة والرضوان.

.. المراجع:

[1] مقابلة مع الشيخ علي بن علي الماجد 20/11/1445هجري. توفي الحاج عبد الله حسن بن علي الخليفة في 21/8/1404 ودفن بمقبرة الشعبة بالمبرز. وقبره في جوار قبر الشيخ عبد الله السمين (العنبر).

[2] يقول د. عبد الجليل الخليفة: وحين بلغ عمر الأخ محمد (ابو ياسر) ثمانية عشـر عاما، سافر إلى الكويت للعمل ثم إلى الدمام حتى يدعم الأسرة، واضطر إلى الانتساب بجامعة الرياض. المصدر: جريدة اليوم 20/8/2008م.

[3] انظر تعريف بالمرحوم محمد بن الشيخ عبد الله الخليفة (بو جلال) سوف ينشر في كتابنا المخطوط عن سماحة العلامة الشيخ حسين الخليفة.

[4] السيد ياسين السيد حسن الموسوي: من أشهر من علم أبناء المبرز قرأت القرآن الكريم والكتابة والحساب خلال الفترة الممتدة من عام 1361 وحتى عام 1398 هجري، حيث تعلم على يده الكثير من أبناء المدينة وأصبح منهم فيما بعد العلماء والفقهاء والقضاة والمفكرين، وشهادته معتمدة ومعترف بها، والدراسة لديه على ثلاث فترات: الفترة الصباحية من الساعة السابعة وإلى قبيل صلاة الظهر، والفترة الثانية من بعد صلاة العصـر وحتى الغروب، وقد خصصت الفترة الأولى والثانية للصبية، أما الفترة الثالثة فكانت للكبار من الشباب والكهول (على غرار محو الأمية) لمن فاتتهم فرصة التعليم في طفولتهم. وتبدأ من بعد صلاة المغرب إلى بعد صلاة العشاء. كما قام بأعمال اجتماعية أخرى مثل القيام على شؤون مقبرة العيوني والطبابة، توفي في 26/7/1410 هجري ودفن بمقبرة العيوني في المبرز. انظر السيد ياسين الموسوي ريادة في العمل وتميز في الأخلاق 1438هجري الباحث، نشر بشبكة المعلومات.

[5] والشكر الخاص موصول للدكتور مؤيد محمد الخليفة الذي زودني بهذه (الإفادة القيمة) في 1/1/1446هجري.

[6] الإفادة, مصدر سابق 1/1/1446هجري.

[7] الإفادة, مصدر سابق.

[8] حصل أبو ياسر الخليفة على ترقية (من المرتبة ١١ إلى المرتبة ١٣) مباشرة مديراً لمكتب العمل بالمنطقة الشـرقية, وذلك بقرار خاص.

[9] الإفادة مصدر سابق.

[10] الأستاذ عبد المجيد بن سلمان النصير (بو محمد) إفادة مكتوبة في يوم 3/1/1446هجري.

والأستاذ عبد المجيد بن سلمان النصير: متقاعد من وزارة العمل، صاحب قلم رشيق يضع تجاربه وخبراته ودروس الحياة في مقالات (يومي) يرسلها في كل صباح للأصدقاء والمعارف والمحبين. طبع الجزء الأول والثاني من كتابه (خاطرة صباحية ومحطات فكرية). وفقه الله لكل خير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى