أقلام

وداع خطيب العَبرة والعِبرة

الشيخ محمد السمين

كان لقائي الأول بالفقيد الراحل قبل قرابة الثمانية عشر عاما، بقافلة التقوى للحج والعمرة، فصحبته لأربع سنوات متوالية، واجتمعت معه في غرفة واحدة، فما وجدته إلا رجل التواضع والتأثير الساحر، ووجدت منه من الميزات مالا تتوفر إلا في القلة، ومن أبزرها:

1. التواضع في مخالطة الناس:
لكل من عايش الشيخ الراحل، أو سافر معه، أو صاحبه، يرى كيف كان يجيد كسر الحواجز التي عادة ما تكون بين طالب العلم وبين سواد الناس، وكيف كان يقتحم القلوب بابتسامته وحديثه العفوي، وسؤاله الدائم، والسعي إلى التعرف على كل من يلتقيه.
ترتسم أمامي صور متعددة في موسم الحج لهذا الخلق الرفيع، فكم من المرات لاقيته وهو يجالس الناس أمام سكن القافلة، يجلس جلسة البسطاء، ويفاكه الناس في حديثه، ويجذبهم بابتسامته.

2. الخطيب اللامع:
خطيب مفوه، لا يتكلف في عرض الفكرة، أو تناول ظاهرة بالتحليل، رسالته واضحه ومباشرة، يملك رصيدا معرفيا وثقافة منبرية واسعة، ويظهر ذلك من خلال مجالسه.
حدثني رحمه الله يوما من الأيام، بعد أن سألته عن سبب تمكنه، وقدرته الملفتة في تناول المواضيع، واستحضار الشواهد، فقال بأنه من قوة ما يختزن في ذاكرته من كم معلوماتي، يمكنه من خلال مقال في صحيفة أن يبلور فكرة تتحول إلى موضوع.
ومما يميز منبره الوعي المختصر، فلم يكن يطيل في الحديث، يختزل فكرة عميقة بأسلوب يناسب جميع المستويات.
وعن عاطفته الجياشة اتجاه أهل البيت (عليهم السلام) كان مما تميز به سماحته استدرار الدمعة بأسلوب عرض المصيبة المؤثر، والذي يثير أشجان المستمعين، فكان منبره منبر العَبرة والعِبرة.

3. الخطيب العصري:
برزت شخصية الشيخ الراحل رحمه الله في السنوات الأخيرة على الساحة الإعلامية، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، فظهر ذلك الشيخ ذو الغترة البيضاء، صاحب اللحية الممتلئة بياضا، لكن قلبه قلب شاب. حديثه يلامس واقع المجتمع ومعاناة الأسر والأزواج، هكذا برز الشيخ الحبارة، مستفيدا من نعمة الطلاقة في الحديث، والاسترسال في الأفكار، حتى اقتحمت مقاطعه جدران البيوت، وساهم في علاج الكثير من المشاكل، التي يأس أصحابها من علاجها، فنال إعجاب الآلاف من المتابعين من الشيعة وغيرهم، فكان خير مثال للشخصية الرسالية المؤثرة.

اللقاء الآخير ..
كان آخر لقائي به رحمه الله في حج 1440هـ وتحديدا في مخيمات (منى)، فتحدثت معه لدقائق، بث في نفسي روح التشجيع، وهمس في أذني (نسمع عنك أخبار تسرنا كثيرا، ونحن نتابعك من بعيد، بارك الله جهودك) ولا أملك إلا أن أقف أمامه وقفة التلميذ أمام أستاذه.

رحمك الله شيخنا الواعظ، تعجلت الرحيل وأنت في ذروة عطائك، وما أحوجنا لك ولأمثالك، خلف الله علينا وعلى ذويك ومحبيك بالخلف الصالح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى