خطوط الصدوع

د/ عبدالجليل الخليفه
اكتشف العلماء أن الأرض تتكون من قشرة خارجية سمكها حوالي خمسين كيلومترا، تسبح فوق وشاح ساخن جدا سمكه ٢٨٥٠ كيلومترا، يسبح فوق لب الأرض شديد الحرارة والذي يبلغ سمكه ٣٥٠٠ كيلومترا. و تمثل القشرة الأرضية الطبقة الصلبة و هي تغطي أرض القارات اليابسة بسمك ٥٠ كيلومترا و قيعان المحيطات بسمك ستة كيلومترات فقط. هذه القشرة الأرضية تتكون من صفائح تلتقي مع بعضها و تسمى مناطق التقاء الصفائح خطوط الصدوع. و تتحرك هذه الصفائح بمعدل ٦ سنتيمتر سنويا تقريبا و هي إما تتقارب مع بعضها فتندس إحداها تحت الاخرى او تتصادم مكونة الجبال و مثالها التقاء الصفيحة الهندية مع الصفيحة الاوراسية مكونة جبال الهيماليا، او تتباعد عن بعضها حيث تنفجر البراكين في مناطق الإبتعاد مكونة جزرا جديدة في وسط المحيطات او تنزلق على جوانب بعضها حيث تتباعد المناطق و تتكسر الصخور مطلقة طاقة رهيبة في خطوط الصدوع في زلازل و هزات أرضية عنيفة، و مثالها سان اندرياس في كاليفورنيا بامريكا. اذن، خطوط الصدوع هي خطوط التقاء الصفائح الأرضية و التي تبدو هادئة و لكنها واقعا تنتظر فرصة الإنفجار عبر البراكين او الهزات الأرضية لتنفس عن طاقات الصخور المطحونة و حرارة الارض المخزونة في باطنها. و هذه الهزات و البراكين قد يعتبرها البعض نقمة و شرا لما تسببه من كوارث و دمار و لكنها من ناحية آخرى مصدر خير لأنها تطلق الحرارة من جوف الأرض الى محيطاتها و قشرتها حيث نحتاجها لحياتنا العادية.
و السؤال هو: هل توجد هناك خطوط صدوع معنوية في عوائلنا قد تبدو هادئة و لكنها قد تنفجر مسببة الكوارث الرهيبة من تمزق و دمار و قطيعة للرحم و العلاقات؟
الجواب: نعم. فمثلا في العوائل، قد تحدث تاريخيا منازعات ميراث مالية او منافسة على وجاهة او عدم توافق أسري بين أطراف العائلة المختلفة فيهدأ الصراع عبر السنين و تكبر الأجيال الجديدة بعيدة عن هذا الصراع، و لكن مع الأسف، ما إن تتأزم الظروف و تتوتر العلاقات حتى يلعب البعض الماكر حيلته، فينفخ في الرماد لينفجر هذا الإرث التاريخي النتن. و هنا ينطلق أهل الخير و المسؤولية في العائلة ليجمعوا القلوب و يزيلوا التوتر و يشدوا اللحمة في عملية اطفاء لهذا الحريق العائلي.
و هل هناك خطوط صدوع في المجتمعات الإنسانية؟. الجواب: مع الأسف، نعم و ما أكثرها. خذ مثلا، العصبيات القبلية و الطائفية و المناطقية و القومية، فهي قد تكون نارا تحت الرماد حتى يلعب البعض فيثيرها سلبا ليهز المجتمعات في زلازل و براكين تأكل الأخضر و اليابس عبر خطوط الصدوع المجتمعية هذه. و قد يؤسس المجتمع بغباء خطوط صدوع جديدة، فيقسم الناس الى مجاميع فهذا غني و هذا فقير و هذا مثقف و هذا جاهل و هكذا، فيقسم المقسم و يزرع بذور الشقاق. و هنا ينطلق البعض من أهل الخير ممن تهمه وحدة الكلمة و سلامة المجتمع فيؤدي دوره و يحمل مسؤوليته، فيقرب القلوب و يخمد النيران ليزرع في القلوب و النفوس العلاقة الانسانية الخالدة: ( الناس صنفان: إما أخ لك في الدين او نظير لك في الخلق).