أقلام

آية الله السيد علي الناصر السلمان وقيادته الاجتماعية

علي الوباري

في حوار مختصر عن السيد علي الناصر، قال أحدهم الذي صاحبه فترة ليست بقصيرة، وصلت مصداقية السيد علي لدى المجتمع وتأثيره المعنوي وثقتهم به وبقيادته الدينية والاجتماعية أن يسأله البعض عن لون صبغ بيته أو رأيه في اختيار مزرعة يريد أن يشتريها، وهي من علامات القيادة التي تتجلى أكثر في حب الجماهير للقائد والحديث عن صفاته بإعجاب وتقدير.

إحدى مؤثرات القيادة انشغال الناس بالقائد ووضع أقواله وسلوكه تحت المجهر ومناقشة أدائه الاجتماعي الذي يدل على أهمية قيادته وتأثيرها في الناس بما يترك في نفوسهم من صور إيجابية وتغيير اتجاهات الأفراد نحو الأفضل.

يبرز ذكاء القائد بمعرفة خصائص شخصيته أولًا ومعرفة البيئة التي يتوقع النجاح فيها باستخدام الأدوات والأساليب المؤدية للتوفيق والنجاح، هذا ما امتاز به الراحل السيد علي الناصر رحمه الله.

إن غالبية الكتابات تتحدث عن القيادة المنهجية التي نظّرتها وحللتها أدبيات الإدارة أاساتذة الجامعات، ولكن هناك قيادة روحية تنتج عن قراءة النصوص الدينية والتفاعل مع الآيات والأحاديث والأدعية التي تضفي رداء العزة على من يستوعب مفرداتها ومفاهيمها وتلبسه لباس الوقار والورع والتقوى، يتحلى من يقرأ بتأمل ويصغي للأدعية بمبادئ دينية ويتزين بقيم اجتماعية محبوبة، يتعامل مع الناس بالود والصدق والاخلاص، وتغليب المصلحة العامة وتنعدم في شخصيته مظاهر الأنا، فقوة شخصية القائد تأخذ مداها الاجتماعي حين يتعامل بمصداقية وينظر للمجتمع بحسن النية وعدم فرض ذاته، شعاره خدمة مجتمعه، والعمل بما ينظم صفوفه ويوحد رؤيته، والشواهد الاجتماعية عديدة في تأثير شخصية السيد علي الناصر في الناس وتغلغل خصائص قيادته بالمجتمع.

سواء أكان انتقال السيد علي الناصر _رحمه الله_ إلى الدمام بدعوة من وجهائها لسد فراغ القيادة الاجتماعية أو بدوافع شخصية ألزم نفسه بإدارة مجتمع يحتاج لقيادة وتوعية دينية، وملأ فراغات اجتماعية، فهو وُفق في اختيار البقعة الجغرافية التي ينثر فيها بذور العطاء ويحصد فيها ثمار قيادته، هذا ما أثبتته الحشود التي تجمعت في تشييعه _رحمه الله_ وما تركه من آثار اجتماعية ونتائج دينية.

ربما يسأل البعض، ما الفرق أن يكون انتقاله للسكن بالدمام مقصودًا بإرادة ذاتية وواجب شخصي، أو غير مخطط له، أو بدعوة من أشخاص شخصوا الواقع الاجتماعي لحاجتهم لشخصية دينية؟ دون شك هناك اختلاف، لأن من ينتقل بدافع المسؤولية الشخصية تكون لديه خطة عمل ومشروع لتنمية المجتمع والنهوض به دينيًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا يعني يحمل القيادة الدينية والاجتماعية المبنية على أهداف وتخطيط وسد الثغرات الاجتماعية والثقافية، من يقصد قيادة مجتمع في مدينة لها أهميتها الاقتصادية وواقعها الاجتماعي المختلف يهتم بدراسة المجتمع وظروف معيشته وعوامل اختلافه عن المجتمعات وما هي احتياجاته.

عندما أنتقل الفقيد آية الله السيد علي الناصر السلمان علي الناصر إلى الدمام، انتقل إلى مدينة تعد من أهم المدن بالوطن ببعديها الاقتصادي والتجاري ومجاورتها للظهران (مقر شركة أرامكو وموظفيها) ومدينة الخبر واختلاف سكانها ونموها الاقتصادي وطبيعة المجتمع المتفاعل مع عدة جنسيات ومراكز تجارية، ولسكانها طبيعة معيشية مختلفة وبيئة تنموية لها مشاريعها الاقتصادية، فبرز أفرادها بالعلم وتوجه الكثير إلى عالم الأعمال والاقتصاد، من الذين يحملون مؤهلات مختصة جعلتهم يتنبؤون بالمستقبل الاقتصادي ويفكروا ويخططوا لمشاريع اقتصادية تنموية وطنية فيها استدامة عوائد مالية، مثل العقار وتجارة الذهب والمصانع التي تنتج سلع يحتاج السوق لها بذلك الوقت، فالبيئة الاجتماعية والعلمية التي تتطلب رجال أعمال يهتمون بالمستقبل التنموي في الوطن، لهم خطاب اقتصادي وفهم للحياة بمنظور الطموح في التجارة والعقارات، ولهم تطلعات اجتماعية ويرغبون في قيادة تستوعب المتغيرات مع فهم لمفردات ومصطلحات تتداول بينهم أثناء الاجتماعات واللقاءات.

لذا هذه البيئة الاجتماعية والاقتصادية تحتاج إلى شخصية قيادية اجتماعية تستطيع أن تتعامل مع مجتمع يهيمن عليه البعد الاقتصادي ويحمل مفاهيم تنموية بثقافة الإدارة الحديثة لتتعامل مع رجال أعمال بتوجه علمي واختصاصات إدارية وهندسية يحتاحها سوق العمل.

هذه البيئة لها خصائصها الثقافية التي تواكب أفكار ومفاهيم الحوارات والنقاشات الموضوعية في المجالس، فكانت شخصية آية الله السيد علي الناصر _رحمه الله_ الذي جمع بين الدراسة الحوزوية والاكاديمية، وجمع خصوصية الحوزة بمصطلحاتها ومناخها الديني مع البيئة الأكاديمية في كلية الفقه الجامعية بانفتاحها على مختلف التيارات، حيث تبلورت شخصية السيد علي القائد الاجتماعي في بيئة مدنية عصرية تستوعب المتغيرات والوعي بتطلعات الجيل للدراسة الأكاديمية حتى يكون فاعلًا في البيئة الاجتماعية التي تغلب عليها التجارة، ويدرك واقع المجتمع ويجيد التعامل مع الشباب الناظر للمستقبل.

الفقيد آية الله السيد علي الناصر بوعيه الحوزوي وإدارته الأكاديمية قرأ متطلبات الساحة الاجتماعية وتطلعات وهموم الشباب فسعى لقيادة مجتمع في بيئة تنظر إلى المستقبل والتنمية ببيئة المؤسسات والشركات والإدارة الاختصاصية، من خلال قيادة دينية تنطلق من المسجد والمجلس بحوار موضوعي هادف، فضمّن خطابه الجانبين الديني والدنيوي خصوصًا لهؤلاء الشباب الذين عاشوا معه أطفالًا وشبابًا وتقبلوا قيادته وخطابه التوعوي، وقدادرك ظروف وثقافة زمنه، تقول الكاتبة الأمريكية جيرترود ستاين: “المبدع ليس من يسبق جيله، بل أول المعاصرين وعيًا بما يحدث”.

الراحل السيد علي الناصر حمل معه مسؤولية التنظيم المؤسسي المؤدي إلى التنظيم والترابط وكوّن مجتمعًا يتحلى أفراده بالأخلاق الرفيعة التي تؤكدها رسالة أهل البيت عليهم السلام في الانسجام الاجتماعي وحسن التعامل والتكافل والتضامن وتوطيد العلاقات في بيئة رحمها يحمل أفرادًا ثقافاتهم متنوعة، فكان المسجد منطلق الوحدة الاجتماعية الوطنية والمساهمة في التنمية من خلال الأعمال الحرة والوظائف والمساهمة في الأعمال الخيرية والتطوعية.

إن قيادته الأبوية جعلته محط استشارة في شؤون حياتية ومهنية كثيرة، فكان يرشد الكثير من الشباب بالعمل وخدمة المجتمع بأية بقعة في الوطن حتى لو كانت بعيدة عن سكنهم الأصلي، ويحث الشباب على التعاون ومساعدة الأخوة الذين ينتقلون للأعمال والوظائف في مدن المملكة حتى لو تطلب السكن والاستقرار في مناطق بعيدة، فهم يعيشون في وطنهم وبين أهلهم ويشجعون غيرهم على العمل بأي مكان بالوطن، كذلك كثير من الشباب الذين أسسوا مشاريع صغيرة واقتحموا ريادة الأعمال ذهبوا للاستئناس برأيه والدعاء لهم بالبركة والتوفيق.

واستثمر الراحل السيد علي أيضًا موسم الحج في إنشاء حملة بالبناء المؤسسي المعتمدة على الأهداف والتخطيط والتنظيم بإدارة احترافية وقيادة متنقلة إذا صحت التسمية.

السيد علي الناصر تبنى الإدارة الحديثة والقيادة المتنقلة بواسطة حملة الحج، فالحج يتطلب إجراءات إدارية وتعليم وإرشاد ديني وإدارة وسلوك موارد بشرية، فرحلة الحج تشمل شؤون دينية ودنيوية مثل أداء مناسك وشعائر دينية تقتضي تهيئة نفسية وتقبل تنفيذ أحكام شرعية واتباع نظام عام والتحلي بقيم سامية ومرونة في التعامل، رحلة الحج متعددة التنقل، تبدأ بركوب الباص أو الطائرة باتباع إرشادات خاصة وتقبل أحكام شرعية وتعاليم نظامية قوامها الحفاظ على النظام والعمل بالمصلحة العامة، فيستفيد الحاج من الحج في اكتساب الاستقامة والتربية المعنوية والتعارف والتعاون مع الغير، لذا يصح على من يقود حملة الحج أن يطلق عليه قائد متنقل لأنها رحلة بمحطات متنوعة بالسفر والتنقل من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة أو العكس، وفي مواقع مختلفة أثناء أداء مناسك الحج، والحاج والمعتمر محكومان بأحكام شرعية واجبة ومستحبة ينبغي استيعابها وتطبيقها، وبالفعل تميزت قيادة السيد علي لحملة العدل بالإدارة المختصة حتى أصبحت أنموذجًا في الإعداد المبكر والتخطيط والتنظيم واختيار الكوادر البشرية المختصة مع تحديد المهام والتفويض، فكوادرها يأخذون دورة تطبيقية في الإدارة والقيادة أثناء الاجتماعات والتنفيذ كل عام، استفادوا منها في حياتهم.

وآخر إنجازاته ومساهماته التنموية دعمه لمشروع مركز السرطان بالقطيف، والمركز الصحي التابع له، ودعم مركز تدريبي لطب الأسرة ومركز تبرع بالدم، ترجم الفقيد السيد علي رسالته الدينية والاجتماعية على الواقع بنتائج وآثار معنوية ومادية ملموسة.

الفقيد آية الله السيد علي الناصر كانت قيادته متصلة ما بين المجلس الذي يستقبل ضيوفه والزائرين إلى المسجد وموسم الحج كل عام باتباع نظام عبادي تنعكس خصائص النظام العبادي على سلوك المصلين والحجاج ويعبر عن الأهداف المبتغاة من العبادة الفردية والجماعية وربط كبير السن بالصغير، اتبع الفقيد السيد علي رحمه الله مع المصلين والحجاج والزائرين بنظام عرفت بصماته لدى المجتمع الذين عاشوا معه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى