زينب قامتها وعلو مكانتها

السيد جواد حسين العبدالمحسن
عندما نكتب في سيرة شخصية ما، سريعاً ما نفكر أن نبدأ ببطاقة التعريف، لكن زينب العقيلة لا تحتاج إلى تعريف فلا يمكن أن تُعَرِّفَ المُعَرَّف وتُوضِّح الواضِح، وما يحتاج إلى تبيان هو قامتها وعلو مكانتها.
فخطوط حياتها تبدأ بعامل الوراثة الذي ورثته من بيت العلم والطهارة، فنالت ما حصل عليه أهل الحق والتبيان عليهم السلام.
منذ كانت في الأصلاب والأرحام وهي تسمع آيات السماء من جدها وأبيها وأمها، حتى خرجت إلى عالم الحياة فنما جسدها وكمالها على القرآن والدعاء والتقوى والورع والمكارم والشجاعة والانتصار لساحة الإسلام، فتعلمت من أول ما أشرق نورها صوت التكبير من المصطفى في أذنها ورمقت عينها جدُها ليرسم في داخلها خطوط السماء التي تسير عليها في خُلُقِها ودينها.
نعم تجسّدت في حفيدة الرسول (صلّى الله عليه وآله) جميع الصفات الكريمة والميزات الشريفة فكانت أروع مثلٍ للشرف والعفاف والكرامة ولكلّ ما تعتزّ به المرأة وتسمو به.
هكذا عاشت زينب عليها السلام في أحضان بيتِ النبوة ترث منهم كل شيء. ثم دُمِجت وراثتها بتربيتها فتربت على ما تشاهده من خلق علي وجمال فاطمة وحُسْنِ الحسن والحسين عملاً وقولاً.
نعم ترجمت عبادة علي في أحنكِ المحن والظروف؛ ففي ليلة الحزن والمصاب تصفها ابنة أخيها سكينة: (رأيت عمتي تصلي ليلة الحادي عشر وتناجي ربها ولم يظهر عليها أي إنكسار) .
و من أمها تعلمت فصاحة البيان فمنطقها ما كان إلا كلسانها فقالت بشجاعة وصلابة: (الحمد لله الذي أكرمنا بنبيّه، وطهّرنا من الرّجس تطهيراً، إنّما يُفتَضح الفاسق ويُكذَّب الفاجر، وهو غيرنا …)
وفي جلالة حجابها فليس سترها إلا كستر فاطمة ومن سيرتها أنها عندما أدخلت مع السبايا جلست متنكرة حتى لا تبرز نفسها أمام الرجال الأجانب.
وفي محطات حياتها لابد أن تجد البصيرة والوعي مرسوماً في مسيرتها من نعومة أظفارها وقد بُهِرَ والدها بِها (عليه السّلام) من شدّة ذكائها، فقد قالت له: أتحبنا يا أبتاه.
فأسرع الإمام قائلاً: وكيف لا أُحبكم وأنتم ثمرة فؤادي .
فأجابته بأدبٍ واحترامٍ : يا أبتاه ، إنّ الحبّ لله تعالى، والشفقة لنا.
نعم كانت (عالمة غير معلّمة)، فصاحب البصيرة هو الذي تفيض المعرفة ويفيض العلم من قلبه على عقله ولسانه وسلوكه وإرادته.
كانت بصيرتها في هذا الطريق، تنسجم مع قابلياتها وسمو نفسها ومحيطها الذي تربّت فيه، إلى درجة أنها بعد أن تزوجت من رجلٍ هو صاحب مُلك وجاه ورُزقت منه بأولاد .
فكل هذه المميزات لم تقعدها عن أن تكون في منزل الرسالة بل كانت حياتها في ذلك المركز الرسالي الذي لم تغادره قط.
و في لحظة خروج الإمام الحسين (ع) كان اسمها وموقعها ركناً من أركان الإنطلاق لبداية الثورة الحسينية.
لهذا كانت مذخورة ليوم تقدم للحياة ولجميع الخلق كل ما نهلته وورثته ونشأت عليه في البيت النبوي.
ومن دروسها علمتنا أن البكاء على الظلم يصنع حضارة ولهذا لم تجف دموعها كما صنعت أمها بكت والدها الذي هو الإسلام و زينب بكت وحزنت على أخيها وعلى ما حُرِّفَ من دين جدها فلم تندم على ما قدموه من تضحية بل قالت كلمتها و لَخَّصت قوتها في قولها : (ما رأيت إلا جميلاً ) عندما سألها متشفياً بها كيف رأيت صنع الله بأخيك
السلام عليك يا زينب البطولة والشهامة والشجاعة والايمان والتقوى