حقوق الناس قبل الرحيل .. النبي(ص) نموذجًا

الشيخ صالح آل إبراهيم
وقفة في الفكر والاجتماع (٩)
كان المجتمع الجاهلي الذي بعث فيه النبي الأكرم (ص) يعيش حالة من الامتهان لكرامة الإنسان والاستخفاف بحقوقه، وخاصة الاجتماعية منها، فعمل “صلى الله عليه وآله” جاهدًا على تغيير ذلك الواقع المرير، عبر التشديد على حرمة الإنسان ومكانته المادية والمعنوية، واعتبارها من أولويات التشريع الإسلامي، وقد جعل النبي (ص) من نفسه الأسوة والقدوة الحسنة في ذلك من خلال تعامله الإنساني مع الجميع، واحترامه لحقوق الموافق والمخالف، داعيًا المسلم أن يكون حريصًا أشد الحرص على حقوق الناس واحترام كرامتهم وإنسانيتهم، و أن لا يداهمه الموت إلا وقد أبرأ ذمته من ظلامات العباد .
فحين قربت ساعات أُفول نجمه (ص) وخروجه من الدنيا وقف موقفًا عظيمًا، مجسدًا الحرص على حقوق الآخرين، وإبراء الذمة من ظلاماتهم قبل الرحيل، إذ أن الله تعالى في ذلك اليوم العظيم لا يتجاوز عن العبد، حتى يتجاوز صاحب الحق عن حقه … فنادى (ص) في الناس:” إن ربي عز وجل حكم وأقسم أن لا يجوزه ظلم ظالم، فناشدتكم بالله أي رجل منكم كانت له قِبلَ محمد مظلمة إلا قام فليقتص “… فقام سوادة ابن قيس، فقال: فداك أبي وأمي إنك لما أقبلت من الطائف استقبلتك وأنت على ناقتك العضباء، وبيدك القضيب الممشوق فرفعت القضيب وأنت تريد الراحلة فأصاب بطني… فقال (ص): تعال فاقتص مني حتى ترضى. فقال: فاكشف لي عن بطنك يا رسول الله، فكشف عن بطنه، فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أتأذن لي أن أضع فمي على بطنك؟ فأذن له فقال: أعوذ بموضع القصاص من بطن رسول الله من النار يوم النار، فقال رسول الله (ص): يا سوادة أتعفو أم تقتص؟ فقال بل أعفو يا رسول الله، فقال(ص): اللهم اعف عن سوادة كما عفا عن رسولك… فهل أعظم من هذه الصورة الإنسانية والحرص على حقوق الناس ؟!