التنمر مرض صامت في جسد المجتمع

حسين حسن الحاجي
التنمر ذلك السلوك العدواني المتخفي في ثياب المزح أحياناً أو المغلف بإداء القوة يمثل واحدة من أكثر الظواهر السلبية خطورة على تماسك المجتمع وسلامته النفسية والإجتماعية وهو ليس مجرد كلمات مؤذية أو نظرات إزدراء أو أفعال جسدية جارحة بل هو إعتداء مباشر على كرامة الإنسان وثقته بنفسه وجرح غائر في نسيج العلاقات الإنسانية .
تشخيص الظاهرة :
التنمر قد يبدأ منذ الطفولة ويتسلل إلى ساحات اللعب وقاعات المدارس ثم يتطور ليجد له موطئ قدم في أماكن العمل وفضاءات الإنترنت بل وحتى داخل الأسرة فهو لا يقتصر على فئة عمرية محددة بل يتلون بألوان عدة ويتخذ أشكالاً متنوعة : لفظية ، جسدية ، إجتماعية ، أو إلكترونية والضحية غالباً ما تلتزم بالصمت إما خوفاً أو خجلاً أو شعوراً باليأس وهنا تكمن خطورة الظاهرة حين يصبح الألم غير مرئي والصرخة غير مسموعة .
أسباب تفشي الظاهرة :
تتعدد أسباب إنتشار التنمر ولكن أبرزها :
( 1 ) البيئة الأسرية غير المستقرة : التفكك الأسري أو غياب الرقابة والتربية السليمة أو إستخدام العنف داخل الأسرة مما يجعل الطفل يعتقد أن العنف وسيلة للتواصل .
( 2 ) ضعف الوازع الديني والأخلاقي : غياب القيم والمبادئ الدينية والأخلاقية يؤدي إلى تبلد المشاعر وضعف التعاطف مع الآخرين .
( 3 ) الرغبة في لفت الإنتباه : بعض المتنمرين يسعون للشهرة أو جذب الأنظار بأي وسيلة حتى ولو بالسلوك السلبي .
( 4 ) الغيرة أو الإحساس بالنقص : يحاول هنا المتنمر أن يُقلل من شأن الآخرين ليشعر هو بالتفوق أو القوة .
( 5 ) تأثير وسائل الإعلام ومواقع التواصل : عرض العنف والسخرية والتنمر بشكل ترفيهي أو ساخر قد يجعل من الظاهرة شيئاً عادياً أو حتى محبباً .
( 6 ) التجربة السابقة للتنمر : أحياناً يكون المتنمر ضحية سابقة للتنمر فيعيد إنتاج السلوك ذاته كنوع من الإنتقام أو التعويض .
الوقاية قبل العلاج :
( 1 ) تعزيز القيم الدينية والأخلاقية من خلال غرس مبادئ الرحمة والإحترام والتسامح منذ الصغر وكذلك ربط السلوك الحسن بالأجر والثواب.
( 2 ) بناء بيئة أسرية صحية يسود أجوائها الحب والدعم والتوجيه وتجنب العنف داخل الأسرة .
( 3 ) التربية على إحترام الآخر ويتحقق ذلك بتعليم الأطفال تقبل الإختلاف في الشكل أو الرأي أو الخلفية وتعزيز ثقافة التقدير لا السخرية .
( 4 ) مراقبة المحتوى الإعلامي ومن ثم توجيه الأطفال لمتابعة برامج هادفة وتوعيتهم بمخاطر المحتوى السلبي في وسائل التواصل .
طرق العلاج والتعامل :
علاج التنمر لا يقتصر على معاقبة المتنمر بل يتطلب معالجة الجذور ويجب تأهيل الضحية نفسياً عبر الدعم والإرشاد حتى تستعيد ثقتها بنفسها كما يجب التعامل مع المتنمر من خلال التوجيه والعلاج السلوكي وفهم الدوافع التي قادته لهذا السلوك :
( 1 ) الإستجابة السريعة والحاسمة : يبدأ العلاج من اللحظة الأولى لرصد حالة تنمر فالتدخل الفوري يُرسل رسالة واضحة بأن السلوك غير مقبول ويمنع تطوره أو تكراره .
( 2 ) إحتواء الضحية وتعزيز ثقتها : يتحقق ذلك بالإستماع بإنتباه وإحترام دون تقليل من مشاعرها وطمأنتها بأنها ليست السبب وأن لها حق الحماية والدعم .
( 3 ) تقويم سلوك المتنمر بأسلوب تربوي : من خلال التعامل معه ليس بالعقاب فقط بل بالتوجيه مع فهم خلفيات سلوكه ( نقص ، ضغوط ، تقليد ….. ) وتعزيز جانب التعاطف والإحترام في تصرفاته وسلوكياته مع الآخرين .
نؤكد في الختام
التنمر ليس ظاهرة عابرة بل جرح إنساني عميق يؤدي إلى حدوث نزيف في المجتمع إذا لم يتم تدارك علاجه أول بأول كما أنه إختبار حقيقي لإنسانيتنا ولقدرتنا على بناء مجتمع يقوم على الإحترام والرحمة لا على التسلط والإقصاء ، فكل تصرف مسؤول وكل كلمة طيبة هي لبنة في جدار الوقاية المستهدف فلنكن جميعاً صوتاً للضحايا ويداً تمتد لا لتُهين بل لتواسي وتُصلح كما نؤكد بأن الوقاية من التنمر تبدأ من البيت حيث يجب أن يُربى الطفل على إحترام الآخر وتقبل الإختلاف والتعبير عن الغضب بطريقة صحية ثم تأتي المدرسة كحاضنة تربوية لتعزز تلك القيم وتراقب السلوك وتضع آليات رادعة وفاعلة للحد من الظاهرة وبدون أدنى شك أن التثقيف المجتمعي عبر جميع القنوات المتاحه يلعب دوراً محورياً في بناء وعي جماهيري عام يرفض التنمر بكل أشكاله .