أقلام

مائة عام وانبعاث: قصة عزير وحفظ الكتاب

أحمد الطويل

تمهيد:

في تاريخ النبوات لحظاتٌ لا تُقاس بالأحداث، بل بالتحوّلات التي تصنعها في الوعي الإنساني.

ومن تلك اللحظات مشهدُ رجلٍ وقف أمام أطلال مدينةٍ خَرِبة، لا ليبكيها، بل ليتساءل: ﴿أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.

لم يكن السؤال اعتراضًا، بل بحثًا عن الكيفية.

وكان الجواب حدثًا هزَّ مفهوم الزمن نفسه: إماتةٌ مائة عام ثم بعث.

مقدمة:

ليست قصة عزير عليه السلام حادثةً إعجازيةً منفصلة عن السياق العقائدي، بل هي بيانٌ قرآنيٌّ عميق عن ثلاثة أمور: أن الزمن نسبيٌّ أمام القدرة الإلهية.

وأن المعاد ليس فكرةً مؤجلةً للآخرة، بل حقيقة يمكن أن تُعرض في الدنيا.

وأن الرسالات الإلهية إذا كادت تضيع، فإن الله يهيّئ لها من يحفظها بعلمٍ خاص.

القضية هنا ليست “رجلًا نام قرنًا”، بل إنسانًا خرج من حساب التاريخ ثم عاد ليجد أن الأجيال تبدّلت، وأن كل ما كان حاضرًا صار ماضيًا.

فما الذي تغيّر؟

الزمن أم الإدراك؟

الإماتة حين يُسكت الله السؤال بالتجربة

قال تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾.

الآية صريحة: إماتةٌ حقيقية، لا نومٌ ولا غيبوبة.

فلو كان نومًا لما كان في الحدث برهانٌ على البعث.

في تفاسير مدرسة أهل البيت عليهم السلام، ذُكر أن الله أراد أن يجعل منه آيةً محسوسةً للناس، لا برهانًا نظريًا.

وهنا تتجلّى حكمةٌ دقيقة: أحيانًا يكون السؤال في مستوى النظر، لكن الجواب يُعطى في مستوى الوجود.

عندما سأله: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾، أجاب: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾.

مائة عام في الخارج وساعاتٌ في الداخل.

كأن الله يقول للإنسان: إن الزمن الذي تخشاه، وتراه طويلًا، ليس إلا بُعدًا من أبعاد الخلق.

هو يجري عليك ولا يجري عليّ.

وهنا يتأسس فهمٌ أعمق للمعاد: إذا كان الله قد أعاد الجسد بعد قرنٍ كامل في الدنيا، فكيف يُستبعد الإحياء بعد آلاف السنين في الآخرة؟

درسٌ البعث الجسدي

القرآن لم يكتفِ بإحياء الرجل، بل أراه كيف تُجمع العظام وتُكسى لحمًا.

﴿وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾.

هذه ليست صورةً شعرية، بل توصيفٌ دقيق لبعثٍ جسديٍّ كامل.

كأن القدرة الإلهية تعيد ترتيب المادة أمام عينيه، لتقول له ولمن بعده: إن تفكّك الجسد لا يعني استحالته، وإن الفناء ليس إلغاءً بل مرحلة.

وهنا يتحول عزير من سائلٍ إلى شاهد، ومن متعجبٍ إلى موقن: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.

حين يحفظ الله دينه

بعد البعث، لم يكن عزير مجرد آيةٍ في مسألة المعاد، بل أصبح محورًا في حفظ الشريعة.

تذكر الروايات المعتبرة في التراث الإمامي أن التوراة كانت قد ضاعت أو حُرّفت بعد الخراب الذي أصاب بني إسرائيل، وأن عزير أعاد كتابتها بإلهامٍ إلهيٍّ وبعلمٍ أودعه الله في صدره.

هنا يتجلّى بُعدٌ آخر للقصة: كما أن الله يعيد الأجساد بعد فنائها، يعيد النصوص بعد ضياعها.

ليس حفظ الدين رهين الورق، بل مرتبطٌ بالعناية الإلهية.

وإذا شاء الله أن يبقى كتابه، أودعه في قلب عبدٍ مصطفى.

وهذا المعنى ينسجم مع سنّةٍ إلهيةٍ ممتدة: أن العلم الإلهي يُعطى لمن اختاره الله لحمل أمانته، فيكون وعاءً للوحي، وحارسًا للرسالة.

بين الموت والبعث

قصة عزير عليه السلام لا تعلّمنا فقط أن الله قادر على الإحياء، بل تعلّمنا أن التاريخ نفسه ليس خطًا مستقيمًا كما نتصور.

مائة عام انقطعت من حياته، لكنها لم تنقطع من حساب الله.

تبدّلت الأجيال، تغيّرت الوجوه، لكن العناية الإلهية لم تتغيّر.

وكأن الحدث يقول: إذا كان الله يتكفّل بإحياء فردٍ بعد قرن، فكيف لا يتكفّل بحفظ دينٍ أرسله هدايةً للعالمين؟

الخلاصة:

قصة عزير عليه السلام ليست روايةً عن رجلٍ غاب قرنًا ثم عاد، بل بيانٌ قرآنيٌّ عن حقيقةٍ تهزّ تصور الإنسان للوجود: أن الزمن مخلوق، وأن الموت طورٌ من أطوار القدرة، وأن الدين محفوظٌ بعين العناية الإلهية.

مائة عام مرّت على الأرض، ولم تمرّ في شعوره إلا كلحظة؛ ليعلم أن ما يحسبه الناس طويلًا ليس كذلك في ميزان القدرة. وأُعيد جسده كما كان، ليشهد أن البعث ليس وعدًا مؤجلًا فحسب، بل حقيقةً قابلةً للوقوع متى شاء الله.

ثم عاد حاملًا علمًا أحيا به نصًّا كاد أن يندثر، ليكون دليلًا آخر أن الله إذا شاء حفظ رسالته، هيّأ لها من يصطفيه ويودع في صدره نورها.

هكذا يجمع عزير بين آيتين: آيةٍ في المعاد، وآيةٍ في حفظ الشريعة.

فإذا رأيت موتًا في الواقع، فلا تيأس من الإحياء،

وإذا رأيت ضعفًا في الدين، فلا تظن أن العناية غابت.

فالذي يُحيي العظام بعد قرن، هو ذاته الذي يُحيي الأمم إذا شاء.

تأمل أيها القارئ:

إذا كان الله قادرًا على إعادة الحياة بعد قرن كامل، فهل أنت مستعد أن تُحيي الحق في حياتك كما يُحيي الله الأمم؟

إذا ضاعت القيم أو تلاشى الدين في زمانك، هل ستقف متفرّجًا، أم ستتحمّل مسؤولية إصلاحه ونشره؟

هل ترى نفسك مجرد شاهد على التاريخ، أم شريك حيّ في حفظ الرسالة وإحياء نور الهداية في عالمك؟

اللهم يا من تُحيي العظام وهي رميم، أحيِ في قلوبنا يقين البعث، وجدّد في أرواحنا نور الهداية، ولا تجعل فينا يأسًا من رحمتك، ولا ظنًا بضعف قدرتك، واجعلنا من الشاهدين بآياتك العاملين بها.

المصادر:

القرآن الكريم (سورة البقرة، الآية 259؛ سورة التوبة، الآية 30)

الميزان في تفسير القرآن – السيد محمد حسين الطباطبائي

مجمع البيان – الشيخ الطبرسي

تفسير القمي – علي بن إبراهيم القمي

الكافي – الشيخ الكليني

بحار الأنوار – العلامة المجلسي

الاعتقادات – الشيخ الصدوق

أوائل المقالات – الشيخ المفيد

تصحيح الاعتقاد – الشيخ المفيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى