أقلام

الـمُحدِّث في بُستانِ الجَواهر

عقيل المسكين

كنت للتوّ قد خرجتُ من مقرّ نادي عرش البيان الأدبي “لهواة الأدب” بحي الديرة بسيهات، حيث أنتمي إليه كقائدٍ لفريقِ هذا النادي الذي تأسس كنادٍ أهلي عام 1413هـ،، ثم رُسّمَ ضمن منصة هاوي في شهر فبراير 2024م، وإذا بأحد معارفنا القدامى -ويسكن في حارة مُجاورة- يمرّ بذلك الزُّقاق الذي يقع فيه مقرّنا المتواضع، فينظر إليّ متعجّبًا ثم يقول:

– عقيل؟!

فقلت له:

– نعم.

فيقول:

– ألست تسكن في حيٍّ آخر، في “الفردوس” أو “غرناطة” أو .. على ما أظن؟.

فقلت له:

نعم أسكن خارج الديرة، وبالتحديد في حيّ الكوثر، وقد كنت ساكنًا في هذا “البويت” الصغير حتى 1424هـ، وقد سكنت فيه قُرابة عشر سنوات، وقبله كنت لمدة ستة عشر عامًا أسكن مع عائلتي في شقق بالإيجار، حيث ننتقل – كاللاجئين – من شقةٍ إلى شقة حسب الظروف.

فقال بشيء من أسلوب التحقّق – بما يشبه التحقيق-:

– إذن من يسكن هنا، وقد كنت أشاهد بعض العمّال، فاعتقد أنكم أجرّتموه كسكنٍ للعمالة.

فنظرت إليه رافعًا كفّ يدي اليمنى بإشارة النفي:

– لا لا .. لم أؤجره، وإنما كان يسكن فيه سائقنا الخاص، إضافة إلى أنني قمت بعمل بعض الصيانة له.

فقال وهو ينظر إلى عيوني، كأنه يريد أن يكتشف ما وراء نظراتها قياسًا إلى قسمات وجهك ولغتها التي يفهمها الناظر بشيء من التخمين، أو بشيء من التوقع، أو بشيء من الحدس:

– هاااه .. ما شاء الله، إذن ماذا لديكم هنا بالضبط؟!

فشعرت أن الرجل سيسألني عن كلّ صغيرة وكبيرة، وعن كلّ طويلة وقصيرة، وكل شاردة وواردة، وذاهبةٍ وعائدة، وأنا أعرف فيه هذه العادة العفوية- وهي لديهِ بحُسن نية على أيّ حال-، لذا قررت أن أكون صريحًا معه إلى أبعد حدود الصراحة والشفافية – ولو على سبيل الدعابة الأخوية-، ولست مُجبرًا على ذلك إلا أنني لن أخبئ عنه أيّ شيء، وقلت له:

– في الواقع كنت في اجتماعٍ هام جدًا مع أحد كبار علماء اللغة العربية وآدابها؟

فقال مُندهشًا:

– مع من كان الاجتماع؟

فقلت له وقد عقدت العزم على أن أرضي فضوله كيفما كان:

– كنتُ إلى ما قبل قليل مع العلامة والأديب الكبير السيد أحمد الهاشمي.

فقال لي وهو ينظر إليّ بعيونٍ مِلؤها الغرابة والحيرة:

– كأنني سمعت بهذا الإسم، من أحدهم في مجلسٍ ما، هل هل تقـ .. تقصد السيد أحمد الهاشمي، صاحب كتاب (ميزان الذهب)؟.. ولكن كيف؟.. وهو أحد علماء وأدباء مصر وقد توفي من سنين طويلة، ولا أعلم بالضبط في أي سنة كان رحيله إلا أنني متأكد أن وفاته كانت في القرن العشرين الماضي.

فأكدت على مسامعه إجابتي وقلت:

– نعم .. كنت قبل قليل معه في مكتبتي الخاصة بهذا البويت الصغير، ثم نزل معي بكلّ رحابة صدر وبِكل أريحية للمجلسِ في الدَّور السفلي، وصار يحدّثني بما لذّ وطاب من أعذبِ الكلام وأحلاه.

– يحدّثك أنت؟!

– نعم وماذا في ذلك، ألا أستحق أن أكونَ أحد الـمُحدَّثِين من قِبل هذا العالم النحرير والأديب الأريب؟

فنظر إليَّ مُتعجّبًا، وقال:

– لقد حيّرتني والله، هذا الذي تحدثت عنه لا يوجد الآن في الدنيا، إنه ذهب إلى ربه منذ منتصف القرن العشرين الماضي –حسبما أتذكر-، ومن أنت حتى تكون مِنَ الذين يحدّثهم الموتى؟.. أو يخرجون من قبورهم ويأتون إلى زيارتك ويجتمعون معك؟.. ثم من هو السيد أحمد الهاشمي حتى يبعثه الله من قبره في مصر حتى يأتي إلى سيهات، وإلى حي الديرة بالتحديد وإليك أنت شخصيًا ليجتمع معك ويحدّثك، هل هو وليٌّ من أولياء الله الصالحين، أو ماذا بالضبط؟

فقلت له وأنا أظهر ابتسامة واضحة:

– و “أزيدك من الشعر بيتًا” أيضًا، لقد رافقته للتجوّل في أحد بساتينه الكبيرة، وأراني في هذا البستان آيات من جمال الطبيعة، حيث ذلك النهر الذي تترقرق مياهه الجارية في أحضان تلك البقعة الخضراء على مدّ البصر، وكأنه في بعدِه ينزل من آفاق السماء، ثم يلامس الغيوم ويهبط في هذه الرحاب الجميلة، ويتعرج بين السهول قادمًا إلى حيث كنا نتجوّل بين النخيل الفارعة والأشجار الزاهية، وتلك الثمار التي تبرق في عيون الناظرين لأنها كانت على الحقيقة من الجواهر التي لم أرَ مثلها من قبل، فصرت أقطف منها ما استطاعت جيوبي إليه سبيلًا لحملها، بل قمت بتعبئة حقيبة كانت لديّ أحفظ فيها بعض الكتب والأقلام والدفاتر حتى امتلأت من تلك الجواهر النفيسة، لعلّي أصيب منها ثروة عظيمة تُغيّر مجرى حياتي، وتتحقق من بيعها آمالي.

فقال لي وهو ينظر إليّ شزرًا:

– أين هذا البستان، الذي سعته تصل إلى تلك الآفاق البعيدة، ونهره يجري كأنه ينسكب من أطراف السماء، وأكثر نخيلنا قد تحوّلت إلى أراضٍ سكنية، واستراحاتٍ، ومصانع ومخازن، ومساحات شاسعة منها تحوّلت إلى مخططات وتم ضمها للأحياء والحارات، وما لي أراك هزيلًا يا عقيل؟! هل أنت مريض، هل تعاني من السكّر والضغط، وقل لي بكل صراحة وبعد أثار الشيخوخة التي بانت على قسمات وجهك وفلتات لسانك ما الأدوية التي تواظب على تعاطيها؟!

فقلت له والحزن بادٍ على وجهي:

– أنا مواظب على تناول أدوية السكر، منذ أكثر من عقد من الزمان، وقد أثّر ذلك على نحول جسمي، وتنمّل أطرافي، وتلف أعصابي.

فقال وهو يخفي ضحكة – فيها شيء من الخبث البريء -:

– نعم .. نعم.. ربما هذا هو السبب.

هنا يقبل صاحبي ورفيق دربي (الرّوائيّاتي) قاصدًا باب نادينا للدخول، وإذا به يرانا واقفين نتحدث عند الباب، فيقول:

– السلام عليكم.

فقلت له:

– وعليكم السلام.

فنظر إلي الرجل الأول الذي كنت أتحدث معه مُتعجبًا، وقال:

– على من تردّ السلام.

فقلت له:

– إنه صديقي الرّوائيّاتي، وأحد الذين رافقوني منذ أن عرفت القراءة والكتابة حتى يومنا هذا.

فصار الرجل ينظر يمينًا ويسارًا، ويدير ظهره إلى الخلف لينظر إن كان هناك أي أحد قادم، فلم يرَ أحدًا على الإطلاق، ثم قال وفي وجهه علامات من الحسرة والتأوّه الخفيف في نبرة لسانه:

– أوووه .. الحمد الله الشافي المعافي.. على أيّ حالٍ يا عقيل.. الله يشافيك ويعافيك إن شاء الله، وأرجو أن تبلغ سلامي إلى جميع الأعمام والإخوة، ورحم الله والديك.

فقلت له وأنا في حالة ترحيب بما طلبه مني:

– شكرًا لك، وإن شاء الله أبلّغ السلام.

فينتبه إلي الروائياتي، ويقول:

– ماذا حدث بالضبط؟.. في أي موضوع كنتما تتحدثان.

فاختصرت للرّوائيّاتي ما جرى بيني وبين الرجل، فضحك الرّوائيّاتي وقال:

– صدق أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، حينما قال: “نعم المحدث الكتاب”، وقال أيضًا: “الكتاب أحد المحدثين”، وقال أيضًا: “الكتب بساتين العلماء”، وقد أشرت لهذا الرجل بما يوحي إلى ذلك إلا أنه لم يفطن إلى ما كنت تقصده، حتى إنك أشرت إلى كتاب (جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب).

– نعم صحيح، وهو – حسب ما اتّضح لي- لا يعرف من كتبه غير كتاب (ميزان الذهب في صناعة شعر العرب)، حيث غطّت شهرة هذا الكتاب أيّ كتاب آخر من كتبه.

06/05/1446هـ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى