أقلام

حين يصبح الفراق باردًا… والكلمات من جليد

زكي الجوهر 

ليس كل فراق صاخبًا، ولا كل طلاق تُسمع له ضجّة.

بعض النهايات تأتي صامتة، ثقيلة، باردة، كأنها شتاء بلا مطر.

حسب إعلان الهيئة العامة للإحصاء السعودية، سجلت السعودية حوالي 57,595 حالة طلاق، أي تقريبًا 157 طلاقًا في اليوم، بمعدل طلاق كل 9 دقائق. وأكثر من 65٪ من هذه الحالات حدثت خلال السنة الأولى من الزواج، أي أن غالبية الانفصالات سريعة بعد الزواج مقارنة بالسنوات اللاحقة. أما نسبة الطلاق من إجمالي عقود الزواج المسجلة، فتصل نحو 12.6٪.

أما على مستوى الدول العربية، معدلات الطلاق تتراوح بين 0.7 و2.5 لكل 1000 شخص، مع أعلى نسب في ليبيا ومصر والسعودية. وهذه الأرقام لا تعكس فقط الانفصال القانوني، بل تحمل تبعات اجتماعية ونفسية كبيرة، خصوصًا على الأطفال الذين يعيشون قلقًا وفقدان استقرار ويتأثرون نفسيًا ودراسيًا واجتماعيًا، غالبًا بصمت بعيد عن الأرقام والإحصاءات.

بعد سنوات من الزواج، لا ينتهي الحب دائمًا بخيانة أو خصام، بل أحيانًا يموت واقفًا.

يموت بالتدرّج، بالاعتياد، بتآكل التفاصيل الصغيرة التي كانت يومًا سببًا للبقاء.

يلتقي الزوجان بعد الطلاق، أو قبله بقليل، على طاولة واحدة.

الجلوس رسمي، المسافة محسوبة، والكلمات منتقاة بعناية زائدة.

لا صراخ… ولا دموع.

فقط صمت، وحديث بارد، وكأن الكراسي من حديد والكلمات من جليد.

كانا يومًا يتحدثان بلا حساب، يضحكان من القلب، يتخاصمان ويتصالحان بسرعة، أما اليوم، فيتصنعان الابتسامة احترامًا للذكرى، لا حبًا فيها.

الفراق هنا لا يؤلم لأنه حدث، بل لأنه جاء بعد أن انتهى الإحساس.

بعد أن ذبل الورد، وصار الغزل مجاملة، وبقي الشكل بلا روح، والعشرة بلا دفء.

في هذا النوع من الطلاق، لا أحد منتصر، ولا أحد متهم.

الضحية الوحيدة هي الإنسان الذي كان في الداخل؛ ذلك الذي كان يطمئن، ويشتاق، ويخاف الفقد.

ينتهي اللقاء أخيرًا بلا مشهد درامي.

يقفان، يتبادلان وداعًا مهذبًا، ربما تُناقَش أمور عملية… أطفال، أوراق، التزامات.

ثم يمضي كلٌ في طريقه، ويدفع الفشل فاتورة قصة لم تكتمل.

هذا هو الألم الأصعب:

أن تفترق دون كراهية،

وأن تودّع دون دموع،

وأن تكتشف أن الحب لم يُقتل… بل تجمّد.

والتقينا بموعد آخر من جديد

كراسينا من حديد كلماتنا من جليد

من غزلنا المفتعل وردك ووردي ذبل

صرنا نتصنع الضحكة وعلى شفايفنا الخجل

يالله خل ننهي اللقاء كافي تمثيل ورياء

وشربنا كاسك يا ملل

ننهض نودع بعضنا ويدفع الفاتورة عنا

بطل قصتنا الفشل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى