أرض الأحلام

سلمى ياسين البوخمسين
نزلت الهوينى تتهادى على درجات سلم العمارة التي تقطنها وهي تضع يمناها على ظهرها وكانها تسنده خوفاً من الانحناء للأمام وتضم بيسراها أسفل بطنها الذي كاد أن يلتقي بفخذيها، تضمه بحنان ومحبة خوفاً على ما يضمه، فها هي شارفت على دخول شهرها التاسع وباتت تحسب المدة المتبقية بالأيام بعد ما كانت تحسبها بالأسابيع وقبلها بالشهور،
تأوهت وهي ترمي بجسدها على مقعد السيارة وتصلح حجابها وهندامها. ومن يسمع تسارع أنفاسها يعتقد بأنها قطعت أميالاً.
تناها إلى مسمعها صوت سامي وهو يستعجلها بالجلوس جيداً وربط الحزام.
(سامي من تعاهدت معه أن تشاركه الحلوة والمرة كما يقال فلقد اختارته من بين ثلاثة شباب تقدموا لخطبتها خلال ثلاثة أعوام مضت ولم يرف قلبها إلا حينما أبلغتها أمها بأن صديقتها الدكتورة نهى أم سامي تقدمت تطلب الأذن بالقدوم لخطبتها. حينها شعرت بأن دقات قلبها تسارعت دون شعور. أجابت أمها: فلتتفضل. وجرت لتختبىء في غرفتها ولتعيش لحظات الفرح التي انتظرتها كثيراً، فها هو سامي أخيرا ً تلطف وحن عليها وفكر في خطبتها فهو فتى أحلامها الذي عرفته من نعومة أظفارها، فهو يكبرها بثلاث سنوات وصديق أخيها أحمد، فلم يكن يفارق صديق طفولته ورفيق دراسته منذ كانا في دور الحضانة، فكبرت وهي تراه فتى أحلامها وإن كانت لا تجالسه ولا تكلمه ولكن أخاها أحمد يردد ذكره في كل شاردة وواردة، فهو شاب يتميز بشخصية تتمناها أية فتاة: وسيم الشكل ممشوق القامة وملتزم بطاعة الله، خلوق لطيف في تعامله، وهاهو عامهما الثاني منذ اقترنت به يكاد ينصرم ولم ترَ منه أي تصرف يزعجها، بل تزداد حباً وعشقاً له يوماً بعد يوم.
-(وردتي) قالها بصوته الحنون، نور حياتي سوف آخذك إلى أرض الأحلام
-اخذت تجول الكلمة في عقلها الفذ الحالم! ياترى ماذا يقصد؟ وإلى اين سيأخذني؟ فهي تكره المفاجآت.
-حبيبي سامي لا أطيق صبراً. أرجوك أخبرني عما تخبئه؟
السيارة تقطع الطريق وبنات أفكارها تتسابق مع عجلاتها. فهي تميزت بالذكاء الفذ وسرعة البديهة، فهي متفوقة دوماً في دراستها فلا تقبل بأقل من الامتياز في كل سنوات الدراسة. لهذا اختارت الطب وبالذات جراحة القلب. وبينما الأفكار تتلاطم في بحر أفكارها إلى أين يأخذني؟ سمعته وهو يقول: هاقد وصلنا!
أدارت نظرها فلم ترَ نفسها إلا وسط أرض مترامية الأطراف، وتطل عليها من بعيد أشباه منازل، ومعظمها بيوت في طور البناء، لا تكاد ملامحها تبين!
حينها ترجل سامي من مقعده قبلها، وفتح لها الباب ممسكاً بيدها، وساعدها على وضع قدميها على الأرض وهو يسمي ويهلل ويكبر ويذكر خير البشر بالصلاة والتسليم، فها هو بين نعم متعددة لم يكن يمتلكها من قبل الزوجة الصالحة والذرية القادمه وبيت الأحلام.
التفتت إليه بوجهها البشوش وابتسامتها الساحرة التي تميزت بها، وظهرت غمازتيها اللتان تزيد وجهها جمالاً وتضيف لمحياها اللطيف وملامحها فتنة وجاذبية. وجالت بعينيها الواسعتين الكحيلتين التي طالما عوقبت عليها من مديرة مدرستها في المرحلة المتوسطة باتهامها بوضع الكحل والمسكرة، فترد عليها باكية: أنا لا أضع كحلاً ولا مسكرة يا أستاذة، فالله هكذا خلقني. فتعطيها منديلاً وتأمرها بمسح عينيها، ولا تصدق إلا حينما ترجع لها المنديل نظيفاً لم يتلوث بأي أثر للكحل، حينها تتمتم بصوت خافت: ما شاء الله، وهي تومىء لها ممتعضة بالرجوع لصفها الدراسي دون أن تنبس ببنت شفة.
نظر إليها سامي حينما ثبتت بكل ثقلها على الأرض بعد أن ترنحت قليلاً، وأخذ يضحك!
فهو تزوج من فتاة ممشوقة القوام وسريعه الحركة، وهاهي تحولت بعد عامين من اقترانه بها إلى برميل متحرك- كما تصف نفسها- حينما تنظر لنفسها في المرآة وتقولها فرحه مبتسمه وهو يسمي عليها ويذكر الله، فهي تحمل بين جنبيها أغلى ما في الوجود: فرح ورغد اللتين ستقدمان عليهم بالخير والبركة، وتكونان بداية الذرية الصالحة! حينها يرفع يديه شاكراً لله فسوف يرزقه الله برحمتين في الدنيا والآخرة، ويطلب مبتهلاً أن يعينه على تربيتهما لتكونا امراتين صالحتين وبارتين به وبأمهما.
حينها قالت له: حبيبي ما هذا؟ أين المفاجأة؟ فأنا لا أرى إلا أرضاً متناهية الأطراف!
أجابها مبتسماً: هذه المفاجأة! فهنا سيكون بيت الأحلام. فهذه الأرض الكبيرة إرث والدي من ضمن ماتركه لي ولإخوتي، كل واحد منا له 300 متر. وكانت وصيته أن نبني جميعاً لنا فللاً صغيرة ومتجاورة لكي نحافظ على لحمتنا ونربي أبناءنا في جو أسري مملوء بالحب والود والإخاء.
حينها تهلل وجهها نوراً وفرحا، وأخذت تذرع الأرض بقدميها المتثاقلتين.
أشار سامي إلى قطعة وخطها بعصا التقطها من الأرض، وقال: هذا هو نصيبنا، وهنا سنبني عشنا الجديد.
وبدأ يخط بالحصا ويحدد وهي تسرح بأفكارها معه.
هنا سيكون مدخل البيت تستقبلنا مساحة مفتوحة. حلقت ببنات أفكارها بين الورود والمشموم والريحان تتوسطهم نخلتي تمر. شعرت بطعم حلاوته (تمر خلاص) من أرض الأحساء الحبيبة، سأصنع منه شتى أنواع الحلوى والمعمول، وسيكون أجمل هدية أقدمها لأمي وخالتي أم سامي، فهما تعشقان منتجات التمور، وستكون أحلى ضيافة أقدمها مع القهوة العربية لضيوفي.
حينها أشار سامي: هنا سيكون مجلس الرجال وبجانبه مجلس النساء، كل واحد منهما يضم خدماته ومرافقه ومدخله الخاص، لكي تاخذي راحتك مع رفيقاتك.
لم يترك لها مجالاً لتشرد بأفكارها وتبدأ بترتيب التحف والإكسسوارات التي تلقتها هدايا من رفيقات عمرها وخصوصاً هذا المنظر الجميل الذي يتضمن أسماء الله الحسنى وكتب بخط جذاب وزين بنقوش عثمانية، الذي جلبته لها صديقتها حنين حينما سافرت إلى تركيا.
ولم يترك سامي لها مجالاً لتتصل بها لتشكرها، حينما أمسك بيدها ومشى بضعة أمتار، وقال: من هنا سنأكل أشهى الأطباق من يديك الجميليتين. نظرت فرأت الفرن الكهربائي الكبير الذي أهداه لها أخوها الأكبر محمد تحفة سكناها البيت، وهذه الثلاجة العملاقة التي تشارك في سعرها أختيها فقد اقتطعتا سعرها من مكافأتهما الجامعية حينها شعرت بالخجل وبالتكلفة عليهما، ولكنهما بادراتها: سنتشارك معك في ما تحتفظين به في ثلاجتنا حينما نزورك! حينها صدرت ضحكة من ثلاثتهم، تردد صداها في أرجاء المطبخ طرباً وسروراً.
(هنا ستكون الصالة) جملة قالها سامي ومن ثم جذبها إلى زاوية الأرض وخط سبعة أمتار في عشرة، وقال: هنا سيكون جناح والدتي فبعد رحيل أبي اتفقت مع إخوتي أن يكون لها جناح في كل بيت من بيوتنا نحن الأربعة. خطت بقدمها وطرقت الباب وقالت: خالة: هل استيقظتِ؟ هيا لتتناولي الفطور معنا، فالعيال وسامي ينتظراننا في الحديقة. الجو بديع جداً، وفرح ورغد ساعدتاني في إعداد المائدة بعدما جلب سامي الخبز الطازج والفول. أما علاء ومهند فهما متشوقان لترينهما يقودان سيارتهما الكهربائية التي أحضرتها لهما.
لم تكد تسمع جواب خالتها إلا وتناها إلى سمعها صوت سامي من الطابق العلوي يقول لها: تعالي لتري غرف النوم، فهنا غرفة نومنا ومرافقها. توجهت لغرفة ملابسها وأخذت ترتب ما أخرجته من سلة الملابس.
وقسمت ثياب أفراد الأسرة كل في غرفته، وهم يقومون بترتيبها في دواليبهم.
وحينما كانت تطوي بيجامات سامي جاءها صوت علاء ومهند كل واحد منهما يدعي على الآخر بأنه أفسد عليه لعبته. فهذا ديدنهم اليومي فهما يتشاركان غرفة نوم واحدة، وأخرى يضعان فيها ألعابهما، فهذا ما توصلت له الأسرة من اتفاق لكي تبقى غرفة النوم نظيفة ومرتبة ولا يزعج أحدهما الآخر حينما يرغب في الراحة والنوم، أما الغرفة الثانية فهي للعب والمرح حيث إن كثير من الألعاب والأجهزة الإلكترونية مشتركة بينهما، كما أنهما يتشاركان الأصدقاء والرفقاء فلم يفصل بينهما في العمر إلا عام وتسعة أشهر، وما إن فرغت من الفكاك بينهما إلا وسمعت فرح تناديها: ماما تعالي ساعديني في اختيار ما أرتديه في حفلة صديقتي ريما! حينها توجهت لجناح البنات حيث كل واحدة لها غرفتها الخاصة، يتشاركان في دورة مياه واحدة وصالة صغيرة فيها ركن صغير للقهوة والمشروبات الساخنة والباردة وثلاجة صغيرة تحفظان فيها ما لا ترغبان بوصول يدي أخيهما إليه من ضيافة لمن تزورهما من صديقات ورفيقات الدراسة، أو من تقاربهما بالعمر من الأهل والأقارب
وما إن فرغت من إقناعها بما سترتديه، فهذا ديدن بنتيها يطلبان المشورة ومن ثم تعترضان وفي النهاية ترتديان ما ترغبان به فهما في سن (خالف تعرف) وتعلم أنها لو خالفتهما في الأمور البسيطة والشخصية ستخسرهما ولن تطيعانها ولن تستمعان إلى توجيهاتها وإرشاداتها التربوية، فلابد أن تكسب صداقتهما لكي تكون قريبه منهما، فهاهما تجاوزتا سن الثالثة عشرة ودخلتا سنوات النضج والرشد. وفي هذا العمر تحتاجان لكثير من التوجيه، فهو عمر الإصرار على الراي والتخبط في اتخاذ القرارات. وقد تطول هذه السنوات فهناك من تصبح ذات عقل راجح وفكر سديد بمجرد بلوغها الخامسة أو السادسة عشرة، وهناك من تستمر إلى أن تتجاوز العشرين ببضع سنوات. وهي تدعو الله دائما أن تمر هذه السنوات بسلام وسلاسة وأقل قدر ممكن من الأخطاء من قبل بنتيها، لهذا هي في تحسب، وتراقبهما دون أن تشعرهما بتوجس أو عدم ثقة.
وفي تلك اللحظة شعرت بحركة قوية بين أضلعها أيقظتها من تخيلاتها وتساءلت مع نفسها: هل أنا أتخيل؟ أم أن كل ما رأيته كان واقعاً؟ ولربما الخيال والواقع أمر واحد سيلتقيان يوماً ما!
في ذلك الوقت سمعت صوت بوق السيارة يطلقه سامي إيذاناً بالرحيل والرجوع لأرض الواقع الحالي، ويحثها للذهاب، فلديهما موعد مع دكتورتها لتأخذ لها تصويراً بالسونار لكي تطمئن على وضع التوأمتين وتحدد لهما الموعد التقريبي للولادة، واتخاذ الإجراءات اللازمة في حال حدوث أي طارئ