نظرة اعتبار

السيد فاضل آل درويش
ورد عن الإمام علي (ع): كل قول ليس لله فيه ذكر فلغو، وكل صمت ليس فيه فكر فسهو، وكل نظر ليس فيه اعتبار فلهو )(بحار الأنوار ص ٧٨ ص ٩٢).
نستقي الوعي والحكمة والبصيرة بالحقائق من خلال تلك الكلمات الإرشادية، فأحاديثنا وكل كلمة نتفوّه بها لا بد أن تمر بتدقيق يتعلّق بالهدف منها والقيمة التي تحملها، فهناك كلمات لغو لا فائدة منها والخوض فيها لا يُجنى منه إلا تضييع الأوقات وصرفها في مجرى الهدر، وهذا ما يوقفنا أمام مبدأ تحمل المسؤولية مع كل كلمة ننطق بها تكون محمولة بالفائدة، ونتوقف عن الكلمة الفارغة التي تشبه الفقاعات المتصاعدة في الهواء وسرعان ما تتلاشى، وأمام هذه الفهم لأهمية الكلمة وتأثيرها وتحمل العواقب المترتبة عليها، وبين دكة الإدراك للاتجاهات المحتملة لها بين التأثير الإيجابي وإيجاد الترابط والتفاهم والمودة والاحترام، أو الاتجاه السلبي وتحطيم عُرى العلاقات وانكسار النفوس وزرع بذرة الكراهية والظنون السيئة، لا بد من التفكير مليًا قبل النطق بأي كلمة وإدراك دورها التأثيري في إيجاد مساحة لوجودنا ومكانتنا الأسرية والاجتماعية.
وبالتأكيد فإن قمة الهرم في الأفضلية لأية كلمة تتعلّق بشكر المنعم المتفضل علينا بآلاء لا تُحصى، فإنه يصنع نفوسنا نحو التوحيد والتحلي بالأخلاق الإلهية ومحبة الآخرين ونقاء النفوس من التكبّر والخيلاء، كما أن التنعّم بتلك الأوقات في المناجاة والأذكار وتلاوة القرآن الكريم حق تلاوته تكسب الفرد نفرة من الكلمات القبيحة والخوض مع الخائضين في ما مردّه الآثام والذنوب كالغيبة وهتك أعراض وخصوصيات الآخرين، فضلًا عما تعافه النفس المستضيئة بنور الله تعالى من الأحاديث الفارغة وتضييع الأوقات فيما لا طائلة منه، فتتقوّى عند الفرد ملكة الحرص على اغتنام الأوقات وتجنّب الهدر فيها، فإن رأس المال الحقيقي ليس هو تلك الأموال بل هو عمره المكتوب له وكيفية التصرف فيه بالطريقة المثلى، كما أن من يتذوّق حلاوة جلسات مذاكرة العلم واكتساب المعارف لن ينزلق إلى مهاوي الجلسات الفارغة والمضيعة للوقت.
والصمت الذكي يعبّر عن حالة التأمل والتفكير الذاتي فيما يهم من أمر الآخرة وتحسين وتقوية العلاقة بالله تعالى، فقد يختار العاقل الحريص على وقته الخلود إلى الصمت و ترك الكلام؛ لأنه لا يرى فائدة مرجوة منه أو هو بغنى عن الدخول في مهاترات أو مداخلات عقيمة، فكما أن للكلام تأثيره وفائدته ووقته المناسب فكذلك الصمت له مجاله وتأثيره وعوائده، فالصمت الذكي يشير إلى ترتيب الفرد أوراق أفكاره وأحاديثه ومواقفه وقراراته وخطواته القادمة بعين التدقيق والاستقراء لمجرياتها المستقبلية ، وكثيرًا ما نتلقّى الحكم والمعارف متى ما أحسنّا التركيز والانتباه لما نسمعه من فم حكيم أو محاضر أو ومضة من قراءة واعية.
ونظر التأمل والتمعّن فيما حولنا من أحداث وتجارب الآخرين وسلوكياتهم تنبيء عن مجموعة من الاتجاهات والأفكار والقناعات، وهي تستحق منا الوقوف عندها وأخذ العبرة والدروس منها، فبعض المواقف كالورد الفواح نتعطّر منها الإيجابيات والفضائل ونتعلّم منها، وإما أن تكون كماء آسن أو طعام متعفّن تعافه النفس وتتجنّب الاقتراب منه فضلًا عن الوقوع فيه.