حَرِيصٌ عَلَيْكُم

مصطفى العلي
من المتسالم والمتعارف به بين البشر هو ثناؤهم ومدحهم وشكرهم واطراءهم لمن يقدم لهم خدمة أو يسدي لهم معروف سواء كانا ماديا أو معنويا، ولا تَرتُّب في ذلك إذ ربما القوي يشكر الضعيف أو الغني يشكر الفقير أو الجاهل يطري على العالم أو يمدح الوضيع الوجيه وكذلك العكس، وقد يكون منشأ ذلك المدح والثناء خدمة أو معروفاً يقدمهما أحدهما للأخر أو لإبراز صفة ومنقبة يتحلى بها الممدوح لغرض تعريف الأخرين بها، وهذا السلوك يساهم في تعزيز وترسيخ القيم والمثل العليا بين الناس مما يساهم في نشرها بين الناس وديمومتها.
وإن أردنا التأمل في شخصية النبي الخاتم صلى الله عليه وأله فإننا ومهما بلغنا لا يمكننا أدراك حقيقته البشرية فضلا عن حقيقته الملكوتية، كيف ذلك وهو القائل للإمام علي عليه السلام: وما عرفني الا الله وأنت1. ومعرفة الله سبحانه وتعالى والإمام علي عليه السلام لم تكن مجرد معرفة شخصية ونسبية كما يعرف الأخ أخيه أو الصديق صديقه، وانما هي معرفة حقيقية بما تمثله حقيقة الانسان الكامل التي تجسدت فيه صلى الله عليه واله في أبهى وأجلى صورها. وحين نتمعن ونتدبر في بعض ماورد في القرآن الكريم من آيات والتي تصف بعض الكمالات والسجايا النفسية والخُلقية للرسول الأكرم صلى الله عليه واله والتي صدرت من الله اللطيف والذي يعلم السر وأخفى والذي لا يرجو مصلحة أو منفعة لقاء إبراز صفات نبيه أو إبراز محامده صلى الله عليه وآله وإنما التأكيد عليها والحث على التأسي بها وممارستها عمليا.
ومن الآيات الواردة في الرسول صلى الله عليه واله (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ)2. وكلمة حريص تعني كما ذكر اللغويون، شدة الاهتمام، وربما يستفاد من قوله تعالى (حريص عليكم)، شديد الاهتمام بهدايتكم ومافيه الخير لكم، وحرص النبي صلى الله عليه واله لم يقتصر على المؤمنين وإنما جميع الناس كما هو في صدر الآية (لقد جاءكم رسول من أنفسكم)، ومن خلال الأية وآيات غيرها يتضح أن الرسول صلى الله عليه وآله يهدف ويطمح لهداية البشر لما فيه الخير والصلاح لدنياهم وآخرتهم. ومما يستدل به على حرصه على بني قومه سواء من آمن به منهم ومن لم يؤمن، ماورد في زيارته صلى الله عليه وآله “أسر الحسرة وأخفى الزفرة وتجرع الغصة”3. لا لشىء وإنما لكي لايسىء لأحد بكلمة أو نظرة تتنافى مع خلقه العظيم.
فمن كان شديد الحرص على الناس ورؤوف بالمؤمنين ومن تحمل أقسى أصناف وألوان المواجهة السلبية والعناد والتضليل من بني قومه، ألا يستحق منا ونحن الذين اهتدينا بهديه وصدًقنا برسالته أن نرد ولو نزرا يسيرا من تلك التضحيات الجسام التي لا يعلم مداها الا الله جل وعلى بالشكر والمدح والثناء بما يستطيع عليه كل فرد وكل بحسبه وحسب موقعه. فالنبي صلى الله عليه واله قد كفاه الله تعالى شر المستهزئين (إنا كفيناك المستهزئين)4، ليس في حاجة لأحد وانما نحن من يلزم عليه رد الاستهزاء بالنبي وذلك من باب رد الجميل بالجميل والمعروف بالمعروف.
وحيث أن النبي صلى الله عليه واله حريص بنا، وحرصه مستمر حتى بعد غيابه عنا بجسده وذلك من خلال ما تركه لنا من سفر خالد وهو القرآن الكريم وسنة نبوية شريفة وسيرة جميلة وصلت لنا من الأمناء على حمل الرسالة وعلى رأسهم أهل بيته عليهم السلام. وعليه ماذا يلزم علينا لا براز حرصنا على نبينا صلى الله عليه واله؟
1. التدبر في آيات القرآن الكريم المتعددة التي وصفت الرسول صلى الله عليه واله، ومنها:
– (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)5.
– (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ)6.
– (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)7 .
– (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ)8 .
– (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما)9.
فهذه الآيات الكريمة لم تمدح عبادة الرسول أو علمه أو كرمه أو شجاعته وإن كان صلى الله عليه واله أفضل من تحلى بكل تلك الخصائص والصفات بأتم صورها وانما تطرقت لبعض السجايا والمكارم والصفات ولممارسات الأخلاقية التي لامسها وعايشها كل من صاحب وتعامل وتعرف على الرسول سواء كان مسلما أم غير مسلم، عربيا أو اعجميا، وجيها أم وضيعا، سيدا أم مسودا، فكل أولئك شدتهم وجذبتهم تلك الأخلاق السامية والتي أقنعت الكثير منهم بالإيمان به والتصديق بدعوته صلى الله عليه واله.
2. التذاكر والنقاش قيما بين أفراد الأسرة الواحدة حول سيرة النبي صلى الله عليه واله خصوصا الأبناء من أجل زرع وتأصيل القيم التي تحلى بها وأوصانا بالالتزام بها مما يساهم في تكوين علاقة بالنبي صلى الله عليه واله قائمة على المعرفة وليس الانتماء الديني فقط، مما يوجد حصانة لدينا لرفض أي إساءة أو تشويه لصورة النبي صلى الله عليه واله، ومن خلال هذا العمل نجسد قول الله تعالى (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)10.
3. التعريف بالنبي صلى الله عليه واله بمن نتعامل معهم من المسلمين وغير المسلمين وذلك من خلال سلوكياتنا وتصرفاتنا المتوافقة مع سيرته صلى الله عليه واله والاستشهاد ببعض أقواله وسيرته العطرة وماورد بحقه في القرآن الكريم مما يؤدي لتصحيح ما يقال وينشر في المصادر المختلفة ومن ذوي الأغراض المشبوهة التي ربما تعطي صورة أو انطباعا مغلوطا وخاطئا عنه صلى الله عليه واله، وعليه سيكون كل مسلم متحدث وناطق أعلامي ينقل الصورة الحقيقة عمن أرسله الله الرحيم رحمة للعالمين وليس فقط للمسلمين، نبي الرحمة صلى الله عليه واله، فكما يقوم البعض في الترويج الإعلامي عن شخصيات اقتصادية أو رياضية أو إعلامية أو غيرها، الا يحق للمسلم أن يتحدث عن الصادق الأمين صلى الله عليه واله بما هو فيه وثابت بحقه صلى الله عليه وآله.
4. التعرف والاطلاع على سيرة النبي صلى الله عليه واله من خلال المصادر الصحيحة وفي مقدمتها القرآن الكريم والأحاديث الشريفة الواردة في المصادر المعتبرة والمحققة من ذوي الاختصاص فهي الحاكمة على قبول أو رفض ما يقال فيه صلى الله عليه واله، وعليه يلزم على كل مسلم رفض ما يتعارض مع صريح القرآن الكريم أو الثابت من الأحاديث الشريفة، فالنبي صلى الله عليه واله معصوم من الله تعالى ولا يمكن قبول ما يخدش بعصمته أو ينقص من قدره ومنزلته صلى الله عليه واله.
5. التعرف على ما قاله وكتبه المنصفون من الكتاب والقادة الغريين وغيرهم والذين تعرفوا عليه من خلال بعض ما كتب عنه صلى الله عليه واله، ومنها:
– قول الأديب الإنجليزي برنارد شو ما ترجمته “إن العالم أحوج ما يكون الى رجل في تفكير محمد، هذا النبي الذي لو تولى أمر العالم اليوم لوفق في حل مشكلاتنا بما يؤمن السلامة والسعادة التي يرنو العالم اليها”.
– قول الزعيم الهندي غاندي ما ترجمته “بعد انتهائي من قراءة الجزء الثاني من حياة الرسول محمد وجدت نفسي بحاجة للتعرف أكثر على حياته العظيمة، إنه يملك بلا منازع قلوب ملايين البشر”.
– قول مؤلف كتاب قصة الحضارة، ويل ديورانت “إذا ما حكمنا على العظمة لما كان للعظيم من أثر في الناس قلنا: إن محمد هو أعظم عظماء التاريخ”-
فالنبي محمد صلى الله عليه واله تحمل ما تحمل وقاسى ما قاسى من عناء وجهد ومشقة واذي حرصا منه على هداية البشر لما ينفعهم في دنياهم وآخرتهم وما يوصلهم للسعادة الحقيقية، وهو القائل “ما أوذي نبي مثل ما أوذيت”11، فعلى كمسلم ومصدق به صلى الله عليه واله الحرص عليه، وان صاحب ذلك بعض العناء المادي أو النفسي، لئلا أكون ممن يساهم في إيذائه بعد مماته كما آذاه بعض من عاشوا معه في حياته، فكما يحرص كل منا على سمعته وأهله وولده ودرهمه وديناره، فليكن حرصنا على مقام النبي صلى الله عليه واله أشد من ذلك وكما حرص عليه المخلصين من أصحابه الذين دافعوا عنه بأموالهم وأهليهم وأنفسهم.
نسأل الله اللطيف أن يلطف بنا ويجعلنا من المتبعين والسائرين على نهج النبي محمد صلى الله عليه وآله.
1. مختصر بصائر الدرجات: ص 125
2. التوبة 128
3. مفاتيح الجنان، زيارة النبي (ص) من البعد،ص 393
4. الحجر 95
5. الأنبياء 107
6. التوبة 128
7. آل عمران 159
8. القلم 4
9. النساء 64
10. الأحزاب 21
11. كنز العمال: ج 1 ص 130