
أحمد الطويل
مقدمة:
ليست كل حقيقةٍ تُدرك من ظاهرها، ولا كل عدلٍ يُفهم قبل اكتمال المشهد. كثيرٌ مما يراه الإنسان ظلمًا إنما هو جزءٌ من نظامٍ أعلى لا تنكشف حكمته إلا إذا ارتفع الحجاب عن الزمن والمآلات.
هنا تأتي قصة النبي موسى عليه السلام مع العبد الصالح في سورة الكهف، لا كحكايةٍ عابرة، بل كمواجهةٍ بين منطق الظاهر وحدود الإدراك البشري، وبين منطق التدبير الإلهي الذي يرى النهاية قبل البداية.
ليست القصة درسًا في الصبر فحسب، بل إعلانٌ قرآنيٌّ عميق: أن في الكون أفعالًا تجري بإذن الله لا تخضع لمعيار اللحظة، وأن للولاية مراتب؛ منها ما يعلّم الناس الشريعة، ومنها ما يتصرف في الواقع بأمر الله وفق علمٍ لدنيٍّ لا يحيط به البشر.
وهنا ينهض السؤال الذي يهز الضمير: كيف يُفهم قتل غلامٍ لم يظهر منه جرمٌ يوجب القتل في إطار العدل الإلهي؟
حدود العقل أمام علمٍ لدني
قال تعالى: فَوَجَدَا عَبدٗا مِّن عِبَادِنَآ آتَينَٰهُ رَحمَةٗ مِّن عِندِنَا وَعَلَّمنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلمٗا.
القرآن لا يعرّف الرجل باسمه، بل بمقامه: عبدٌ، اصطفاه الله برحمةٍ وعلمٍ لدني. الرحمة هنا ليست عاطفة، بل أهليةٌ للتدبير، والعلم ليس نظريًا، بل اطلاعٌ على مآلات الأمور قبل وقوعها.
موسى عليه السلام صاحب شريعةٍ ووحيٍ وتشريع، ولكنه في هذه الرحلة يمثل منطق الظاهر المنضبط بالحكم الشرعي. ولذلك جاء التحذير، ﴿وَكَيفَ تَصبِرُ عَلَىٰ مَا لَم تُحِط بِهِۦخُبرٗا﴾.
إنها قاعدة معرفية كبرى: لا يصح الحكم الكامل على فعلٍ لم يُكشف تأويله بعد.
قتل الغلام: الإشكال الأخلاقي بين الظاهر والمآل
قال تعالى: فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَٰمٗا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلتَ نَفسٗا زَكِيَّةَ بِغَيرِ نَفسٖ لَّقَد جِئتَ شَيـٔٗا نُّكرٗا﴾.
هذا اعتراض الفطرة السليمة؛ نفسٌ زكية بلا ذنب ظاهر تُقتل؟
الجواب لم يأتِ فورًا، بل بعد اكتمال التجربة: ﴿وَأَمَّا ٱلغُلَٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤمِنَينِ فَخَشِينَآ أَن يُرهِقَهُمَا طُغيَٰنٗا وَكُفرٗا فَأَرَدنَآ أَن يُبدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيرٗا مِّنهُ زَكَوٰةٗ وَأَقرَبَ رُحمٗا﴾.
لم يكن الأمر قتلَ بريءٍ لذاته، بل قطعَ مسارٍ مستقبليٍّ يقود إلى هلاكٍ أعظم. التدبير كان حمايةً لدين الأبوين ورحمةً بهما وتعويضًا أزكى في المآل.
الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه. أما هنا فقد صدر القرار بعلمٍ محيطٍ لا يعتريه نقص.
﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيءٖ مُّحِيطُ﴾.
إذا كان العلم محيطًا، كان الحكم عدلًا، وإن خفي سببه.
والعلم بالمآل لا يعني الجبر على الفعل؛ فالله يعلم ما سيكون لأنه محيطٌ بالمسار، لا لأنه يُكره العباد على اختياراتهم.
فسبق العلم كشفٌ للحقيقة قبل وقوعها، لا صناعةٌ لها ولا إلغاءٌ لمسؤولية الإنسان.
الولاية التكوينية: تصرفٌ بإذن لا باستقلال
يُحسم الأمر بقوله: وَمَا فَعَلتُهُۥ عَن أَمرِي﴾.
هذه الجملة تقطع كل توهّم؛ ليس اجتهادًا شخصيًا، ولا فعلًا مستقلًا، بل تنفيذٌ لإرادة الله ضمن إذنٍ خاص.
الولاية هنا ليست تشريعًا جديدًا، ولا خروجًا عن حكمٍ إلهي، بل تصرّفٌ تكوينيٌّ بإذن الله لتحقيق مقتضى حكمته.
وقد لخّص أمير المؤمنين علي عليه السلام هذا المعنى بعبارةٍ عميقةٍ تختصر فهم الولاية التكوينية في وجدان المؤمن حين قال: “عرفتُ الله بفسخ العزائم، وحلّ العقود، ونقض الهمم”.
فالإنسان يعزم، ويخطّط، ويعقد النية، ثم تأتي يد القدرة الإلهية فتنقض ما أبرم، وتفسخ ما عزم، لا عبثًا ولا ظلمًا، بل وفق حكمةٍ أعلى من إدراكه.
وهنا يتجلّى معنى التصرّف التكويني: ليس إلغاءً لاختيار البشر، بل إحاطةً بمآلاتهم، وتوجيهًا للمسار حين يخرج عن مقتضى الرحمة الشاملة. كما فسخت إرادة الله مستقبل الغلام رحمةً بأبويه، قد تُفسخ عزيمةٌ في حياتنا لتُستبدل بخيرٍ لا نراه.
كما يقسم الله الأرزاق بحكمة، يقسم الأقدار بمثلها: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
نحن نرى اللحظة، أما التدبير فيرى المسار كله.
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾.
بين الجدال والتسليم
قال تعالى: وَكَانَ ٱلإِنسَٰنُ أَكثَرَ شَيءٖ جَدَلٗا﴾.
القصة لا تطلب تعطيل العقل، بل تواضعه. أن يعترف بحدوده أمام علم الله، وألا يصدر حكمًا نهائيًا قبل اكتمال الرؤية.
لو توقفت القصة عند لحظة القتل لبقيت شبهة، لكن اكتمال التأويل كشف أن ما بدا قسوةً كان رحمة، وما بدا فقدًا كان تعويضًا، وما بدا اعتراضًا كان درسًا في المعرفة.
الخلاصة:
قصة النبي موسى عليه السلام والعبد الصالح إعلانٌ قرآنيٌّ أن العدل الإلهي لا يُقاس بحدود اللحظة، وأن في الكون أفعالًا تجري بعلمٍ محيطٍ لا بعلمٍ ناقص، وأن الولاية التكوينية ليست خروجًا عن العدل بل أداةً لتحقيقه في أفقٍ لا نراه.
فهل كل ما يؤلمنا ظلم؟
وهل كل فقدٍ خسارة؟
وهل نملك من الإحاطة ما يجعلنا نحاكم تدبير الله؟
ربما كان أعظم درسٍ في القصة أن نتعلم الفرق بين من يرى المشهد ومن يرى المصير.
اللهم يا حكيم يا عليم، ارزقنا بصيرةً بحكمتك، وصبرًا على قضائك، ويقينًا بأن كل ما تجريه خيرٌ وإن خفي سببه، ولا تجعل في قلوبنا اعتراضًا على حكمك، واجعلنا من الراضين بوعدك وعدلك.




