
حسين الحاجي
يبدو أن بعضنا فهم قصة عقر الناقة بطريقة مبتكرة فلم تعجبه العبرة بقدر ما استهوته جرأة مخالفة الجميع ، أُعجب بفكرة التميّز الصاخب وقال في نفسه : لماذا أبني بهدوء كغيري وأنا أستطيع أن أكون بطل المشهد بضربة إعتراض واحدة .
نجد في كل مجتمع فئة مميزة فعلاً ، فئة لا تفوّت خطأ ولا تنام قبل أن تكتشف خللاً ولا تترك مناسبة تمر بسلام ، هم حرّاس النقص ومفتشوا العيوب وأبطال التعكير ، يملكون راداراً يلتقط السلبيات من مسافة كيلومتر ولكن الرادار يتعطل تماماً عند رؤية أي إنجاز .
أحدهم يحضر أي مناسبة كأنه يدخل معركة ، يضع نظرة الامتعاض قبل أن يجلس وينتظر أول فرصة ليقول : هذا الكلام غير منطقي ولا يشرح لماذا ، المهم أن تسقط الفكرة وإذا قيل له : ما البديل ؟ أجاب بثقة : أنتم لا تفهمون الصورة كاملة والصورة الكاملة طبعاً محفوظة في درج مكتبه السري .
إذا لم يُؤخذ برأيه تبدأ مرحلة العصيان : همز ولمز، تعليقات جانبية ، تلميحات ملغومة ، ابتسامة ساخرة ، ثم منشور غير مباشر يلمّح ولا يصرّح وإذا ارتفعت الحرارة قليلاً يتحوّر النقد إلى تجريح وتتحول الفكرة إلى ذريعة ، والشخص إلى هدف ، ويغدو الاختلاف خصومة .
المضحك المبكي أن صاحبنا مقتنع تماماً أنه المصلح الوحيد في هذا الكون وأن الجميع يحتاج إلى توجيه عاجل منه ويرى أن احترام الثوابت ضعف وأن الهدوء قلة حيلة وأن الصوت المرتفع دليل وعي .
لكن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير : ليس كل اعتراض بطولة وليس كل حدة قوة ، أحياناً يكون الضجيج مجرد طريقة لقول : انتبهوا لي … أنا هنا .
بكل تأكيد هذا الأسلوب لا يصنع تأثيراً بل يصنع توتراً ولا يبني مكانة بل يبني حواجز ومع الوقت يتعلم الناس تجنب الحوار معه ، لأن أي فكرة قد تتحول إلى ساحة استعراض .
العلاج بسيط وصادم في آناً واحد : إن أردت أن تكون مؤثراً إقترح حلاً لا تعليقاً
وإن أردت أن تُحترم احترم قبل أن تنتقد وإن أردت أن تُسمع اخفض صوتك قليلاً .
من عقر الناقة إلى عقر القيم الفكرة واحدة : حين يتحول الإنسان إلى معول نقد دائم ويظن أنه يهز الجبال بينما هو في الحقيقة يهز ثقة الناس به وبمعنى آخر الفرق بين المصلح والمشاكس : الأول يطفئ النار والثاني يستمتع بشرح شكل الدخان .




