أقلام

الحاج طاهر الخليفة (أبو ضياء) 

عبد الله البحراني

سيرة مضيئة

شاهدته لأول مرة، وكنت مرافقًا لوالدي في إحدى زياراته لمدينة الدمام1 ولا تزال صورته في مخيلتي، رجل طويل القامة صافي البياض يتسم بالهدوء والوقار، إنه الحاج طاهر بن عبد المحسن الخليفة (بو ضياء).

من مواليد الأحساء عام 1345 هجري، يحسن القراءة والكتابة، يزاول بيع الأقمشة في الأحساء، انتقل لمدينة الدمام عام 1375 هجري (1956م)، وكان في الثلاثين من عمره ليبدأ فصلٌ جديدٌ وتغير كبير في حياته2، ويعد من الرواد الأوائل من المهاجرين الأحسائيين إلى مدينة الدمام3.

حياته العملية

غادر الأحساء إلى مدينة الدمام ولم تكن سوى مدينة صغيرة تتكون من حي العمارين وحي الدواسر، وفيها سوق متواضع يغلب عليه بسطات على الطريق والباعة المتجولين، ولكنها مدينة واعدة، ومفعمة بالنمو والتطور، وكانت بدايته بسيطة حيث فتح بو ضياء أول محل لبيع الأقمشة في مدينة الدمام مع إخوانه، وتحول الدكان إلى معرض كبير لبيع الأقمشة، وتوسع في السوق وأصبح منزله مأوى لأبناء عمومته وغيرهم أثناء تواجدهم في مدينة الدمام.

المرحلة الثانية : توجه الحاج أبو ضياء الخليفة لمجال بيع وشراء العقار، وهنا لا بد من وقفة، ففي الماضي كانت ثقافة الآباء شراء أو بناء منزل للسكن أو شراء مزرعة (نخل) للاستفادة من ثماره، ولم تكن بناء عمارة تجارية أو شراء عقارات للاستثمار فكرة رائجة في وقتها (الحديث عن منتصف الثمانينات بعد الثلاثمائة والألف الهجرية)، ودخل أبو ضياء في هذا المجال الجديد بجانب تجارة الأقمشة، وكان من السباقين في مجتمع الأحسائيين بمدينة الدمام، وهذا ينم عن رؤية مستقبلية وانفتاح على الجديد.

المرحلة الثالثة : وتعد نقلة أخرى في محطات حياته العملية وذلك عندما تم تأسيس أول مجمع تجاري بمدينة الدمام عام 1397 هجري شراكة بين الحاج طاهر الخليفة (وإخوانه) والحاج علي بن عبد اللَّه الخليفة بو عبد الحميد (وإخوانه)، وتم افتتاح مجمع سوق الذهب بسوق الحب، ويضم مجموعة من المحلات التجارية في الدور الأرضي ومكاتب في الدور الأول. وأحدثت هذه الخطوة نقلة في عالم التسوق في المدينة.

من صفاته

الحكمة وبعد النظر، ويشهد له الجميع بالتواضع، ومن الأمثلة على ذلك تعامله مع العاملين معه في المحل أو في المزرعة، فكان لا يستنكف أو يتعالى من الجلوس معهم على مائدة الطعام، وتبادل الحديث معهم في شؤون الحياة.

وعندما يسافر – ويرافقه أحد العاملين – فكان يسكنه معه ويجلس معه على مائدة واحدة، هذه وقفة تربوية حيث يمكن معرفة الأشخاص وطريقة تفكيرهم من تعاملهم مع الضعفاء والعاملين ومن لا سند لهم ولا قوة.

وفي السوق كانت له مكانة خاصة وتاريخ في مساعدة الآخرين، وعلى سبيل المثال فقد تَحدثُ بعض القضايا والأمور العالقة بشؤون السوق والبيع والشـراء، ويتطلب تدخل ذوي خبرة في التجارة وأعراف السوق، وهنا لا بد من مواصفات وسمات يجب أن تتوافر فيمن يتولى مهمة الصلح والتوفيق، ومنها الحلم سداد الرأي والقبول من جميع الأطراف. وقد يبادر الحاج طاهر بن عبد المحسن الخليفة بالتدخل من نفسه. وفي بعض الأوقات يُطلب منه ذلك.

وله رحمه الله طريقته الخاصة في معالجة كل حالة، مثلًا قد يكتفي بالجلوس مع أصحاب الشأن في مجلس واحد ويتحدث معهم في أمور عامة حتى تصفو النفوس، والنتيجة أن تحل بمجلسه العديد من القضايا ودون اللجوء للجهات الرسمية.

وكان لا يتردد في أن يستخدم وجاهته ومكانته لمساعدة الآخرين، فقد يأتيه من يريد وساطته في أمرٍ ما أو مع جهةٍ معينة خارج السوق، فكان يذهب معه ويبذل قصارى جهده، وهذا لا يقتصـر على أبناء عمومته، وإنما لكل من يطلب عونه، ويسعده الوقوف مع الآخرين حتى على حساب وقته وصحته.

هكذا وصفوه

الحاج طاهر الخليفة (بو ضياء) نهجه في الحياة البعد عن الجدال والمشاحنات، ولا يحب ذكر عيوب الآخرين ويوصي كثيرًا بالحلم، وسألت عنه بعضًا من معارفه وأصدقائه، وأجمع الكل عن سماته الكريمة والثناء عليه.

الحاج محمد بن ناصر بو صالح (بوسامي) يقول:

الحاج المرحوم طاهر الخليفة عرفته لسنوات هادئًا خلوقًا ذو فطنة، تميز بالصمت وقلة الكلام، والرجل صبور، عاش مع زوجته الأولى ٢٧ عامًا ولم يرزق منها بذرية، ثم تزوج بأخرى ورزقه اللَّه بالذرية من الأولاد والبنات، وكان من المؤسسين لتجارة الأقمشة في الدمام، كون ثروة كبيرة بسبب حنكته وطيب خلقه.

الأستاذ أحمد بن محمد العلوان يقول:

الحاج طاهر بن عبد المحسن الخليفة ينتمي لأسرة عريقة تمتاز بالأخلاق الحميدة والسمعة الطيبة، ولأسرة الخليفة تاريخ في الوقوف مع المجتمع في الأحساء في أوقات الشدة، ولوالدي مع رجال هذه الأسرة علاقة قوية وحميمة في البلاد وخارجها، وذلك في مجال النخيل والتجارة وفي أيام القلة والوفرة، والخليفة لا يتدخلون في شؤون غيرهم، وهم كبار في تعاملهم وفي إدارة شؤونهم، ومن الجوانب الجميلة في هذه الأسرة قدرتهم على حلحلتة ملفاتهم فيما بينهم وبهدوء وعدم السماح للآخرين بالتدخل.

وماذا أقول في الأخ الحاج أبي ضياء والذي هو أحد ثمار هذه الأسرة الكبيرة في عطائها، والكريمة في أخلاقها وتعاملها، فقد كان الحاج (أبو ضياء) من كبار البزازين (تاجر قماش) في الأحساء قبل نزوحه لمدينة الدمام، ويمثل رقمًا كبيرًا في هذه الأسرة الكريمة، عرفته محبوبًا من الجميع يتعامل بذمة وضمير، وله أيادٍ بيضاء على كثير من الناس، قام على رعاية أشقائه الصغار، وفي المجال التجاري كان صاحب ريادة في عمله، ويثق الجميع فيه وفي كلمته، وله حظوة بين أهل السوق والمعارف والجيران، ولا يتدخل في شؤون الآخرين، ويضـرب به المثل في التواضع والحلم4.

الأخ الحاج حسين بن محمد البحراني يقول:

الحاج طاهر بن عبد المحسن الخليفة من كبار باعة الأقمشة في المنطقة الشـرقية عرفته وتعاملت معه لأكثر من خمسين سنة، فكان مضـرب المثل في التواضع والحلم والأناة، لم أشاهده في حالة غضب قط، وتعاملاته التجارية واضحة، أمين وصادق في جميع جوانب حياته، ويقال في الأمثال: (عدو المرء من يعمل عمله)، وهذه القاعدة لا تنطيق على طاهر الخليفة، فالجميع إخوانه ويسعي لهم في الخير، توفي وترك خلفه إخوانًا وأولادًا يسيرون على نهجه وطريقته.

الحاج فؤاد بن محمد الخليفة يقول:

يرتبط الوالد الشيخ والعم بو ضياء بعلاقة محبة وصداقة قديمة، وذلك منذ وجود الشيخ في النجف الأشرف، وكنا نشاهد ذلك في جلساتهم حيث يستعيدون ذكريات العراق، ولا تخلو الجلسة من روح الفكاهة، وفي حال زيارة الشيخ لمدينة الدمام لا بد من العروج على بيت العم الحاج طاهر، وكان العم الحاج طاهر مريضًا ومتعبًا عندما سمع بوفاة الشيخ، ولكنه أصر على حضور مجلس العزاء بالحوزة في الأحساء مع أبنائه، رحمه الله5.

علاقته بالشيخ حسين الخليفة

تربطه بسماحة الشيخ حسين الخليفة علاقة فيها الكثير من المحبة والاحترام، يكثر من التردد على العراق أثناء تواجد الشيخ رحمه الله في النجف الأشرف، وذكر الحاج طاهر الخليفة مشهد قد شاهده في النجف الأشرف مع سماحة الشيخ حسين الخليفة رحمه الله. ففي أحد الأيام رأى الشيخ أثناء خروجه من مرقد أمير المؤمنين عليه السلام ولكن لاحظ علامات الحزن الواضحة على محياه، فسألته عن السبب، فقال الشيخ بأنه متألم لأنه سوف يفارق هذه الأجواء الروحانية وهذا المرقد الشـريف، حيث طلب منه السيد محسن الحكيم?J العودة إلى الأحساء لحاجة المجتمع إليه6.

وفاته (رحمه الله)

توفي الحاج طاهر الخليفة في يوم الثلاثاء التاسع عشـر من شهر شوال عام ١٤٣١ هـ الموافق ٢٨ سبتمبر عام ٢٠١٠ م، ودفن بمقبرة الشعبة في الأحساء في جوار والده وذويه، وكانت له مساهمات في أعمال خيرية في مجال الأسرة والصالح العام. وله ذرية الحاج ضياء علي حيدر ومصطفى وعدد من البنات الكريمات. وقفت على قبرة بجوار قبر الشيخ عبد اللَّه السمين (العنبر).

خلاصة التجربة

لا يمكن للإنسان أن يحقق النجاح دون تحديات ومصاعب، والمعاناة تنضج الإنسان وتظهر قدراته ومدى تحمله. وأجد حياة الحاج أبي ضياء قصة ملهمة فيها الكثير من الدروس المهمة جديرة بالتأمل للإستفادة منها.

هوامش:

1 والدي/ الحاج محمد بن إبراهيم البحراني يعمل في مجال بيع الأقمشة بسوق المبرز) مع أخواني حسين وأحمد(، وكانت هذه الزيارات في منتصف التسعينيات الهجرية بعد الثلاثمائة والألف.

2 حصلت على الكثير من المعلومات الشخصية عن الحاج (بو ضياء) بالتواصل مع أبنائه وغيرهم من الجيران والأصدقاء.

3 ومن أوائل الحساوية الذين قدموا لمدينة الدمام للعمل : محمد بن حسن بو كنان) الهفوف وعمل في تجارة العباءات النسائية، وفي مجال تجارة الأقمشة النسائية ففي البداية هناك محلان في سـوق الدمام، الأول: محل سلمان بن صالح عبد اللَّه البو صالح) بو عيسـى (والثاني : شخص هولي (عبـاس نقي)، بعد ذلك محل طاهر بن عبد المحسن الخليفة) بو ضياء (وإخوانه، ثم عايش حسن البو صالح، ثـم الحاج ناصر بن عبد اللَّه البو صالح، وعلي بن عبد اللَّه الخليفة (بو عبد الحميد). أنظر كتاب: سيد العطاء 1431هجري. ص: 139.

4 مكالمة جوال في 1444 هجري.

5 مكالمة جوال في 21/2/1444 هجري.

6 سبق وذكرنا قصة (عودة الشيخ حسين الخليفة من العراق) بتفاصيل أكثر: في الفصل الأول

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى