
أحمد الطويل
مقدمة:
في المسجد النبوي، حيث تختلط الدموع بالسكينة، وحيث لا يعود القلب كما كان قبل الدخول، وقفتُ أمام مقام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لا كزائرٍ يحمل أمنيات، بل كإنسانٍ يبحث عن إجابة.
الوجوه من حولي مختلفة، اللغات متعددة، لكن الشعور واحد: فقرٌ خفي، وحاجةٌ لا تُقال، وارتباطٌ بشيءٍ أعظم من كل ما نحمله معنا.
وفي تلك اللحظة، ومع استحضار ذكرى استشهاد الإمام جعفر الصادق عليه السلام، لم يكن الحزن وحده حاضرًا، بل كان سؤالٌ أعمق من كل ما حولي: هل نحن حين نقف هنا نطلب حقًا لنا، أم نرجو فضلًا منه؟
هل لأحدٍ على الله حق؟ أم أننا نقف أمام بابٍ لا يملكه إلا هو؟
حين ينكسر وهم الاستحقاق
ليس الإنسان بعيدًا عن هذا الوهم؛ فهو إذا أطاع، ظنّ أنه قدّم، وإذا قدّم، شعر أن له مقابلًا.
نصلي، نصوم، نزور، نبكي ثم في عمق النفس يهمس شيء خفي: أليس لي عند الله شيء؟
لكن القرآن يأتي ليكسر هذا الوهم من جذوره:
﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
ثم يأخذنا إلى لحظة الانكشاف الكبرى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾.
هناك لا يبقى ادعاء، ولا استحقاق، ولا وهم، فقط حقيقة واحدة: الجميع واقف بين يدي الله بلا شيء.
ثم يكتمل المشهد: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا…﴾
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا…﴾
ولا يُسأل هناك: ماذا عملت؟
بل يُكشف: أين كنت تقف من رحمة الله؟
من الاستثناء إلى أصل السؤال
وتبقى كلمة واحدة في الآية تفتح باب التأمل: ﴿إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ﴾
من هؤلاء؟
اختلفت كلمات المفسرين: ملائكة، حملة العرش، أرواح الشهداء، ولكن رغم اختلاف التفاصيل، يبقى المعنى واحدًا: أن هناك من اصطفاه الله لعنايةٍ خاصة، لا لأن له حقًا، بل لأن الفضل سبق كل شيء.
وهنا يتغير السؤال جذريًا:
ليس من هم؟
بل كيف وصلوا إلى هناك؟
الإمام الصادق حين يُعاد ضبط الطريق
هنا تتجلى مدرسة الإمام جعفر الصادق عليه السلام.
لم يكن يربّي على فكرة أن للعبد حقًا على الله، بل كان يعيد الإنسان إلى نقطة البداية: أن العمل لا ينفع بذاته، بل بقبوله.
وأن الاتجاه أهم من الكثرة.
وأن العبودية ليست كثرة فعل، بل صدق افتقار.
وهذا هو الميزان الذي ينسجم مع قوله تعالى:
﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
العمل لا يصنع الحق، بل يفتح باب القبول فقط.
هل لك على الله حق؟
حين يُطرح السؤال بلا مواربة، تكون الإجابة واحدة: لا أحد يملك على الله حقًا يُلزمه به.
لكن في المقابل، الله بكرمه جعل بابًا أعظم من الحقوق: باب الفضل.
وحين نقول: “اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد”، فنحن لا نطالب بحق لنا، بل نتوسل بما جعله الله سببًا للرحمة، تفضلًا منه لا إلزامًا عليه.
فنحن لسنا أصحاب حقوق، نحن فقراء على باب كريم.
في حضرة النبي حيث يتضح كل شيء
في المدينة، لا تحتاج الفكرة إلى شرح طويل.
كل شيء يتحول إلى شعور مباشر: أن الطريق ليس أن تعمل لتستحق، بل أن تتصل لتُرحم.
التمسك بالنبي وآله ليس إضافة، بل هو الاتجاه نفسه.
ومن فقد الاتجاه، كثرت خطاه ولم يصل.
وهنا تتلخص الحقيقة كلها: ليست المسألة كم عملت بل مع من كنت تسير.
الخلاصة:
هذه الرحلة كلها تختصر في حقيقة واحدة: لسنا نقف أمام الله بما نملك، بل بما نفتقد.
حين تقف الحقيقة بلا حجاب، لا يبقى السؤال: ماذا قدّمت؟
بل: من كنت وأنت تقدّم؟
ذلك الشعور الخفي بالاستحقاق، الذي يتسلل إلى النفس دون أن نشعر، يتبدد في لحظة صدق واحدة، حين يدرك الإنسان أنه مهما عمل، لا يصنع على الله حقًا، بل يزداد افتقارًا إليه.
فالعمل لا يُنقذ بذاته،
والكثرة لا تضمن القبول،
والعدل وحده لا يُورث النجاة ما لم يتداركه فضل الله.
فمن ظن أنه وصل بعمله، فقد حُجب عن الحقيقة،
ومن رأى نفسه فقيرًا رغم طاعته، فقد اقترب من الباب.
وهنا تنكشف النهاية التي بدأ منها السؤال: ليس لك على الله حق، لكن لك باب مفتوح بالفضل.
فإن دخلته عبدًا، بلغت،
وإن وقفت عليه مستحقًا، حُجبت، ولو حملت من الأعمال ما ظننت أنه يكفيك.
همس الزيارة قبل الوداع
وفي ختام هذه الرحلة، لم تكن الكلمات إلا أثرًا لما عشته هناك في المدينة المنورة، عند مقام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، في يومٍ يثقل بالذكرى، يوم استشهاد الإمام جعفر الصادق عليه السلام في الخامس والعشرين من شوال، حيث فُجِع فيه أهل بيت النبوة ومحبوهم برحيل إمامٍ ملأ الدنيا علمًا ونورًا.
جئتُ للزيارة وأنا أحمل أسئلة كثيرة، وعدتُ وأنا أحمل جوابًا مختلفًا: أن القلب حين يقترب من النور، لا يعود كما كان.
وخلال أيام الزيارة، صباحًا ومساءً، كنت ألتقي صدفةً بكثيرٍ من الأصحاب والزملاء من مناطق مختلفة، جمعهم شيء واحد لا يُرى: الشوق.
كل واحد منهم كان يحمل دعاءً خاصًا، ووجعًا صامتًا، وأملًا لا يُقال.
وهنا أدركت أن الأرواح، وإن تفرقت، فإنها تجتمع حين تتجه نحو باب واحد.
وأن المدينة لا تُغيّر المكان فقط، بل تُعيد ترتيب الداخل.
نسأل الله أن لا يجعلها آخر العهد من هذه الزيارة، وأن يتقبل منا ومنهم صالح الأعمال، ويكتب لنا عودةً أقرب، وقلوبًا أصدق، وطرقًا أوضح إلى نبيه وآله.
المصادر:
القرآن الكريم (سورة الزمر 65–72، سورة غافر 38–40)
مقالات مركز الهدى
سيرة الإمام الصادق عليه السلام




