أقلام

اللص الخفي

السيد فاضل آل درويش 

وسائل التواصل الاجتماعي لها فوائدها وتأثيرها الإيجابي في توفير قاعدة ثقافية واجتماعية من خلال التواصل مع الآخرين عن بعد، ولكن استخدامنا المفرط لها وقضاء الوقت الكثير معها أثّر بشكل سلبي على مجمل حياتنا وعلاقاتنا، فقد اختفت تلك الأوقات الجميلة على المستوى الأسري والاجتماعي حيث يجتمع الأفراد ويتبادلون من خلالها وجهات النظر والأفكار المختلفة، كما أنها تشعر الفرد بالأمان والطمأنينة عندما يرى من حوله يبدون الاهتمام والرعاية لأحواله وهمومه ويبادرون لتخفيف أعباء وضغوط الحياة عنه بشكل مباشر.

واليوم يعاني المجتمع من ظاهرة البعد عن اللقاءات المباشرة إلى الاختفاء خلف الأجهزة الذكية، وكذلك على مستوى العلاقة بين الزوجين وصلت لها موجة التأثير السلبي، حيث يخلد أحد الزوجين على وسادة منشورات مواقع التواصل، بينما يلقي جانبًا ما يلزمه من المسئوليات والواجبات الملقاة على عاتقه، ومنها ما يتعلّق بشريك حياته والاهتمام به وتبادل الأحاديث والنقاش معه حول مختلف المواضيع الخاصة بهما والعامة.

كما أن عماد العلاقة بين الزوجين هو الجانب العاطفي وتبادل المشاعر الدافئة والصادقة التي لها دور كبير في تخفيف ضغوط الحياة والقدرة على تحقيق الأهداف والطموحات، كما أنها تمثل العلاج الفعال في مواجهة محطات الخلاف أو النقاشات الساخنة، ولكن مع تغلغل التفاعل مع الأجهزة الذكية والاستعمال المفرط لها أدّى ذلك إلى وجود فجوة في علاقة الزوجين واتجهت نحو البرود والإهمال، فالانسجام والتقارب الفكري والوجداني لا يأتي من فراغ ودون تحمل الطرفين للمسؤولية، بل هي نتاج تخصيص الأوقات المناسبة لهما لتبادل الأحاديث والمشاركة في سرد الأحداث اليومية وما صاحبها من تفاصيل، وحتى تلك اللمسات البسيطة اختفت بسبب الانشغال المستمر بالأجهزة الذكية، فالابتسامة لها مفعولها السحري في التخفيف من الأعباء والهموم، وتلك الكلمات الرقيقة – ولو كانت قليلة – تضفي لمسات على علاقتهما وتخلّصهما من لحظات التوتر، وقد يشعر أحد الزوجين بالجفاف أو البرود العاطفي بسبب انهماك الطرف الآخر بالأجهزة الذكية، مما يؤدي إلى وجود فجوة بينهما قد تتسع مع مرور الأيام وتدخلهما في مرحلة الانفصال العاطفي وعدم المبالاة بوجود شريك الحياة أو الاهتمام بالتواصل والتفاعل الإيجابي معه.

كما أن مبدأ المشاركة الزوجية والنقاشات المختلفة حول تفاصيل حياتهما والوصول إلى قناعات وآراء وقرارات مناسبة، قد ينحسر بسبب الانشغال بالأجهزة الذكية وبالتالي فإن التفاهم يصبح صعبًا بينهما.

ومن الآثار السلبية للاهتمام المتزايد بتلك الأجهزة هو حدوث حالة انفصام بين العالم الرقمي الذي تحضر فيه الصور المثالية والرومانسية (مشاعر الحب والانجذاب) حتى يستقر في العقل والنفس بأن الحياة الزوجية الناجحة والسعيدة هي ما يوجد في ذلك العالم الرقمي، الذي يختلف تمامًا عما يجده على أرض الواقع من وجود حالات التوتر أو الخلاف أو المشاكل، والحقيقة أن الخلافات ملح الحياة الزوجية حيث تعد محطة اختبار لقدراتهما على التفاهم والنقاش والتحاور والوصول إلى قرارات ممكنة والعمل على تنفيذها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى