ليلة القدر ولادة إنسان

السيد فاضل آل درويش
ليلة القدر المباركة لا تشبهها ليلة أخرى في أهميتها وعطائها وتأثيرها على مسيرة الإنسان، فهي بداية وولادة جديدة وانطلاقة للمرء بعد أن توقف في هذه المحطة؛ التقاطًا للأنفاس وإعادة تقييم لما يصدر منه واستكشافًا لأخطائه وأوجه تقصيره، وخصوصًا أنه خاض منذ بداية شهر رمضان المعظم غمار التنافس في فعل الخيرات والطاعات، وصولًا إلى الهدف الأسمى وهو اكتساب ملكة التقوى والخوف من الله تعالى؛ ليكون لورعه ونزاهة نفسه حضور وتأثير في تصرفاته وسلوكياته، قد تشكلت وتبلورت عنده بصيرة وحكمة وفهم لمجاري الأمور وكيفية التعامل بحذر مع إغراءات الشيطان الرجيم وأهواء النفس المتمردة.
أهمية ليلة القدر بالنسبة للمؤمنين تنشأ من كونها انطلاقة وتغييرًا جذريًا في حياة الإنسان بعد أن اكتسى بحلل الإيمان والهمة العالية في ميدان الطاعة والقرب من الله تعالى، بداية صفاء للنفس من شوائب تحكم الشهوات المتفلتة في مسيرته وانتقالًا إلى انضباط النفس على وقع توجيه العقل الرشيد، والذي وضع أمامه اليوم الآخر ونصب موازين الأعمال والحساب عليها، ومن ثم الاستعداد والتهيؤ له من خلال العمل الحثيث واغتنام الأوقات لا الأماني والآمال الكاذبة، فليلة القدر يطلبها المؤمنون بشوق ولهفة وطول انتظار لأنها تمثل محطة تجديد العهد مع الله تعالى بالتوبة والاستغفار، وفرصة لا تعوّض لتصحيح مسيرة الإنسان وإعادة إحياء قواه الروحية من جديد بعد أن تخلّص من إصر الذنوب والخطايا، ويعتمد الأمر في تحصيل هذه العطايا والمنح الإلهية على مدى استعداد المرء لتحقيق بداية وولادة جديدة، يقوي إرادته على التغيير والتخلص من دنس الذنوب واضعًا نصب عينيه الهدف الأسمى وهو الندم الحقيقي على الواقع المؤلم لتقصيره وسقطاته، والعزم الأكيد على التمسك بعرى الطاعة واعيًا لما سيواجهه من عراقيل وموانع قد تعيده إلى الماضي المؤلم ببعده عن الله تعالى والتقصير في حقه، فالمرحلة اللاحقة لليلة القدر هي التطهير الروحي والأخلاقي وترسخ أقدامه في طريق الحذر واليقظة من منزلقات الذنوب، وهمته تعلو في طريق العمل الصالح وفعل الخير لتتلوّن صفحات أيامه بالخضوع للإرادة الإلهية والانبعاث نحو المحافظة على الواجبات وتجنب الخطايا، والاستمرار بهمة وقوة في ميدان الطاعة والخوف من الله تعالى يتطلب صبرًا وحذرًا، والأمر في التغيير والوصول إلى المبتغى يعتمد على مدى استعداد المرء للتوبة والتجديد الإيجابي.
وفي هذه الليلة المباركة يهب الباري عز وجل الجوائز السنية لتحريك همم عباده في طريق عمل الصالحات، وحيث تتضاعف الحسنات وتُقبل التوبة وتستجاب تلك الدعوات ويستنير القلب بنور الورع والأنس بذكر الله تعالى، بعد أن أعاد تخطيط مستقبله وفق قيم التقوى والهدي نحو ميدان العمل الصالح، وحالة الطمأنينة و الأمان النفسي تعد من أهم تجليات ليلة القدر وبركاتها التي يكتسبها من تلك الأجواء الروحية والتفاعل مع مضامين الأدعية والأذكار.