أقلام

الأطفال وتطور ظاهرة استغلال الثغرات

المترجم : عدنان أحمد الحاجي

معظم الناس على دراية باستغلال الثغرات. عندما يطلب منك رئيسك، أو المالك، أو شريك حياتك، أو العميل، أو السلطة أن تفعل شيئًا لا تريد فعله، لكن لا تتمكن من أن تقول “لا،” بأمكانك اللجوء إلى الامتثال الماكر (1) – وذلك بامتثال الأوامر بحذافيرها، ولكن باستبطان نوايا سيئة (2).

ربما يكون معظم أولياء الأمور على دراية بسلوك “المحامي الصغير” أيضًا: فلو قال أحد الوالدين للطفل، “حان الوقت لتضع جهازك اللوحي،” فقد يضع الطفل جهازه اللوحي حرفيًا على الطاولة – ثم يستمر في اللعب عليه. بالرغم من أن سوء التفسير المقصود شائع ومهم، إلَّا أنه لا يتوفر إلّا النزر اليسير من الدرسات حول تطور سلوك استغلال الثغرات عبر مرحلة الطفولة. [سلوك استغلال الثغرة هي الحالة التي حين يفهم الناس المعنى أو الهدف المقصود، ولكنهم يفسرونه بتفسير مختلف (3)].

في دراسة جديدة (4) لتطور ونمو الطفل (5) من جمعية دراسات تطور الطفل (SRCD) تناول الباحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة هارفارد متى ولماذا ينخرط الأطفال في مثل سلوكيات استغلال الثغرات هذه. تَتبُع جذور سلوك استغلال الثغرات ومعرفة سبب التواصل الخاطيء بين الوالدين والطفل قد يساعدانا في فهم كيف يسير التواصل بشكل صحيح، عندما يكون الكل متحمسًا للتعاون.

لفهم المزيد عن كيف ومتى ولماذا يستغل الأطفال الثغرات، طُلب من 260 من أولياء الأمور (الأباء والأمهات أو أحدهم) الأفادة عن استغلال أطفالهم للثغرات (عدد الأطفال = 425؛ بسن يتراوح ما بين 3 إلى 18 سنة؛ 42 ٪ من الإناث؛ 34 ٪ من ذوي البشرة البيضاء). قرن فريق الدراسة هذا مع سلوك الأطفال الفعلي (عدد الأطفال = 298؛ بين 4 إلى 10 سنوات؛ 49 ٪ من الإناث؛ والأغلبية كانت من البيض) في التجارب التي أجروها عبر ثلاث دراسات.

نتائج الدراسات بينت أنه بمرور الزمن، تعلم الأطفال التمييز بين أسلوب استغلال الثغرات وبين الامتثال (التعاون) وعدم الامتثال (رفض التعاون).

يتوقع الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 4 و 10 سنوات أن يساعد استغلال الثغرات في الحد من المتاعب التي سيواجهونها، ومن المرجح أن يوظفونها عندما لا يرغبون في الامتثال لما يطلبه أحد والديهم منهم.

على وجه الخصوص، وجد الباحثون أن ظاهرة استغلال الثغرات تبدأ عادةً ببلوغ الطفل حوالي 5 – 6 سنوات، ثم تصل إلى ذروتها ببلوغ الطفل حوالي 7 – 8 سنوات. بالإضافة إلى الأسئلة المألوفة، نظر الباحثون أيضًا فيما إذا كان الأطفال يعتقدون أن سلوك استغلال الثغرات كان هزليًا، حيث راقبوا ما أذا كانوا يبتسمون أو يضحكون حينها.

تمشيًا مع سلوك الأطفال ومع إفادات الوالدين، اعتقد الأطفال أن سلوك استغلال الثغرات كان اسلوبًا هزليًا، بالرغم من أن السلوكيات الأخرى لم تكن كذلك. قد تكون هذا أول دراسة لاستكشاف ظاهرة أسلوب استغلال الثغرات في مراحل تطور الطفل ويمكن أن يساعد في فهم التفكير الاجتماعي بصورة أوسع [لتفكير الاجتماعي هو قدرة الشخص على استخلاص استنتاجات حول نوايا الآخرين وتصرفاتهم وأفعالهم، من أجل تنظيم سلوكياته (6)].

أتيحت لـ جمعية دراسات تطور الطفل SRCD الفرصة للتحدث عن نتايج هذه الدراسة مع كيرا باريس Kiera Parece، المؤلف المشارك للورقة وطالبة الدراسات العليا في مختبر الإدراك في مرحلة الطفولة المبكرة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.

س: هل بإمكانكِ أن تعطينا فكرة عامة موجزة عن الدراسة؟

ج: تناولت دراستنا استغلال الأطفال وفهمهم “للثغرات.” الثغرات هي سوء التفسير بشكل مقصود، عندما تكون المهمة منجزة من الناحية التقنية، ولكن الدوافع التي وراء ذلك سلبية. الثغرات شائعة في القانون والتاريخ والحياة اليومية، ولكن على حد علمنا، لم يتناول أحد بالدراسة كيف ومتى تتطور هذه الظاهرة في مرحلة الطفولة.

قمنا بدمج الاستبانة التي أجريناها عن إفادات أولياء الأمور التي لاحظوها على أرض الواقع في أطفالهم في ثلاث دراسات لقد وجدنا أنه بمرور الزمن يبدأ الأطفال في تمييز “استغلال الثغرات” عن كل من الامتثال وعدم الامتثال (الرفض).

يتوقع الأطفال أن يؤدي استغلال الثغرات إلى مشكلات أقل مقارنةً بالتمرد الصريح أو العصيان وعدم إطاعة الأوامر وتوقعوا أن يستخدم الأطفال الآخرون أسلوب الثغرات أكثر عندما يكون هناك تباين بين أهداف ولي الأمر والطفل.

بالرغم من أن جميع الأطفال لا يستغلون الثغرات، ولن يظهر استخدام هذه الظاهرة عند جميع الأطفال في نفس السن، إلا أن الظاهرة كانت بارزة بقوة في هذه الدراسات الثلاث وفي إفادات أولياء الأمور: يبدو أن فهم الأطفال واستغلالهم الثغرات يظهران بين بلوغهم سن الخامسة إلى السادسة وتبلغ ذروتها ببلوغهم سن ما بين السابعة والثامنة.

اعتقد الأطفال أيضًا أن سلوك استغلال الثغرات أسلوب هزلي: لقد ابتسموا أو ضحكوا عندما سمعوا قصصًا عن أستغلال الثغرات أكثر مما تبسموا أو ضحكوا عند سماعهم قصصًا عن أطفال يمتثلون لما قيل لهم أو يرفضون الأوامر بشكل صريح. بالرغم من أن الأطفال الصغار يجدون صعوبة في ايجاد ثغرات يستغلونها لمصلحتهم، لكن ما بين سن الخامسة إلى السابعة يصبحون اكثر قدرة على التوصل إلى ثغرات بمفردهم صالحة للاستغلال.

س: ما الدافع الذي كان وراء دراستك لسلوك استغلال الثغرات عند الأطفال؟

ج: بادئ ذي بدء، استغلال الثغرات مثير للاهتمام جدًا. وبمجرد أن تبدأ في التفكير فيه، فستجده منتشرًا جدًا في الحياة اليومية: في القانون وفي التاريخ وفي الأساطير وفي التمردات المسلحة وفي السلطات والشركات، والقائمة تطول. وهي مهمة أيضًا: استغلال الثغرات هي شيء بين الامتثال وعدم الامتثال، بأمكانها إراحة الشخص من المتاعب، وتعتبر أسلوبًا إبداعيًا.

وهي أيضًا مثيرة للقلق: نحن كبشر نطور حاليًا أشكالًا جديدة من الذكاء الاصطناعي، والتي قد لا تقوم بكلما نريد أو نرغب فيه. إذا انتهى بنا الأمر إلى صنع شيء، فلابد أن نفهمه بشكل جيد قبل ذلك!

بأخذ كل ذلك في الاعتبار – استغلال الثغرات مهم، ومنتشر، ومثير للقلق – من المنطقي التفكير في جذوره. إذا فهمنا متى ولماذا يبدأ الأطفال في استغلال الثغرات، فمن شأننا أن نفهم هذه الظاهرة بشكل أفضل، والتواصل بشكل عام أيضًا.

س: هل مر عليك شيء من الأشياء أذهلك؟

أحد الأشياء الذي سرني وأذهلني كان إبداع وذكاءات الأطفال في استغلال الثغرات، والتي بإمكاننا أن نلحظها في إفادات أولياء أمورهم التي جمعناها منهم، وكذلك التجارب التي أجريناها. رأينا أن الأطفال ينخرطون في استغلال الثغرات في طيف واسع من المجالات.

لم يقتصر الأمر على قول: “أوه، لقد تعلموا معنى كلمة “علية، لذا بإمكانهم الآن استغلال ثغرة تتضمن كلمة “علبة”. “أما بخصوص استخدام التكنولوجيا (فلو قيل للطفل لا تستخدم أي جهاز كمبيوتر، فسيستخدم جهازًا لوحيًا) أو لو قيل له لا تتناول حلويات معينة، فسيلجأ إلى تناول أخرى، أما بخصوص قدراته المكانية [فهم العلاقات المكانية بين مختلف الأشياء (7)]، وفهمه للعلاقات الزمانية. فسيجد الطفل طرقًا مبتكرة ومتنوعة للتغلب على كل هذه المحددات وسيستغل الثغرات.

الشيء الآخر الذي كان غير واضح بالنسبة لي في هذا النمط القوي المحدد في تطور استغلال الثغرات الذي وجدناه: يبدأ الأطفال عمومًا في استغلال وفهم الثغرات في سن 5 إلى 6، ثم تصل ذروتها عند حوالي 7 إلى 8 سنوات وتنخفض بعد هذا السن. فمن المثير للاهتمام أن هذه الظاهرة لا تبدأ بقوة قبل الخامسة، والسؤال: لماذا لا تبدأ قبل هذا السن؟

يعرف الأطفال بالفعل الكثير من البراغماتية والتصنع، ونظرية العقل (8)، وغيرها من أدوات استغلال الثغرات في سن مبكرة، فلماذا لا تظهر ظاهرة استغلال الثغرات من ذلك السن إذن؟ أنا متأكد من أن أولياء أمور الأطفال ما بين 5 و 6 سنوات لن يتفاجأوا لو سمعوا عن أطفالٍ آخرين يستغلون الثغرات، لكنني آمل أن يجعلهم ذلك يتأملون في سبب استغلال أطفالهم هذه الظاهرة، ولماذا في هذا السن.

س: هل بأمكانك توضيح كيف تكون نتائج هذه الدراسة مفيدة للباحثين وأولياء الأمور ومقدمي الرعاية والمعلمين وغيرهم ممن يعملون مع الأطفال؟

ج: قطعاً. غالبًا ما يواجه أولياء الأمور، أو مقدمو الرعاية، أو المعلمون، أو الباحثون الذين يعملون مع الأطفال هذه الديناميكية الأساسية: لديهم رغبة في تكليف الطفل للقيام بعمل شيء ما. والهدف هو تعليم الطفل (سواء أكانت المهمة التعليمية روتينية، أو أي شيء يحتاج الطفل إلى تعلمه)، ويحتاجون إلى توصيل هذا الهدف إلى الطفل. لكن الطفل لديه أهدافه الخاصة، وقد لا يكون هدفه هو نفس هدف الوالد (الأم أو الأب) أو المعلم أو مقدم الرعاية.

عادةً ما تكون هذه العملية واضحة وشفافة جدًا، حتى أننا نعتبرها من المسلمات: نخبر الطفل بما نريد أو نرغب، والطفل إما يأتمر بذلك أو لا يأتمر بذلك. استغلال الثغرات يخل بتوازن هذه العملية. فهو بمثابة خداع بصري.

لذلك، نأمل أن يسلط هذا البحث الضوء لصالح كل من المعلمين ومقدمي الرعاية بأن التواصل اليومي مميز في الواقع إلى حد كبير ، وأن استغلال الثغرات ليس مجرد شيء يفعله طفل من الأطفال، بل هو ما يفعله الكثير من الأطفال، وأنه يمكن أن يكون أسلوب ابداعي وهزلي، ويعتبر حجر الزاوية للسلوك الذي نراه في كل المجالات كآباء وأمهات.

بشكل عام، نعتقد أيضًا أن هذا البحث مفيد للمشرعين الذين هم في وضع مماثل للآباء والأمهات. فلو حاولت سلطة من السلطات بشكل عام الطلب من شخص تحت سلطتها فعل شيء ما، أيًا كانت هذا السلطات، فسنجد أن نتائج هذا البحث مفيدة لها.

هذا البحث مفيد في فهم كيفية ظهور هذه الظاهرة، والذي نأمل أن يضع الأساس لكيف يمكن تجنبها في الحالات التي لا نرغب فيها، أو كيف نوظفها في الحالات التي نرغب في التشجيع عليها.

مصادر من داخل وخارج النص

1- https://www.bamboohr.com/resources/hr-glossary/malicious-compliance

الامتثال الماكر (malicious compliance): يُسمى أيضاً “الامتثال السلبي” و”الامتثال المؤذي”، وهو مصطلح يصف سلوك الموظف الذي يُطبق الأوامر أو يحترم القواعد السائدة في بيئة العمل رغم معرفته أن ذلك سيؤدي إلى نتائج سلبية، مثل عرقلة سير العمل أو إبطاء عملية الإنتاج أو خلق حالة من التذمر بين الزملاء أو غير ذلك من السلبيات، وقد يقوم بالامتثال للأوامر أو تنفيذ الفكرة بهدف إظهار سوء قرار من أصدر الأمر، سواء كان مديره المباشر أو مسؤولاً آخر، أو بهدف الانتقام من صاحب الفكرة وإظهاره على أنه يفتقر للذكاء. كلمة “المكر” يُقصد بها اصطلاحاً “ما يَقصِدُ فاعِلُه في باطِنِه خِلافَ ما يقتضيه ظاهِرُه”، وهي الصفة الرئيسية التي تميّز من يقوم بهذا السلوك، إذ يُظهر سلوكاً إيجابياً بما أنه يمتثل للأوامر وينفذها بحذافيرها، لكنه يُبطن نية سلبية تُخالف الظاهر.” مقتبس من نص ورد على هذا العنوان:

https://hbrarabic.com/المفاهيم-الإدارية/الامتثال-الماكر/

3- https://openreview.net/forum?id=mPaNp1eglz

4- https://srcd.onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1111/cdev.14222

5- https://ar.wikipedia.org/wiki/تطور_الطفل

6- https://link.springer.com/referenceworkentry/10.1007/978-1-4419-1695-2_610

6- https://hbrarabic.com/المفاهيم-الإدارية/اختبار-القدرة-المكانية/

6- https://ar.wikipedia.org/wiki/نظرية_العقل

المصدر الرئيس

https://medicalxpress.com/news/2025-03-children-loopholes-intentional.html?utm_source=nwletter&utm_medium=email&utm_campaign=daily-nwletter

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى