شيخنا الجواد بإيجاز

الشيخ عبد الجليل البن سعد
يتسم فقيدنا الكبير، الشيخ جواد الدندن، بسمات فريدة ولافتة.
فهو ذو وقار وهيبة تنشرح لهما نفس ناظره. وهو من أبناء النجف الذين عاشوا في ظل مرجعيات عظيمة كان لها أثر كبير في هذا العصر، مثل الإمام الحكيم، والزعيم الخوئي، وأستاذ العلم والفكر السيد الصدر (عليهم رضوان الله).
كان الشيخ الجواد من العلماء الذين عادوا إلى بلادهم في العام الثاني والثمانين من القرن الماضي بعد أن شهدوا لحظات تاريخية عصيبة في النجف، لحظات تشيب الرأس وتذيب القلب.
كان من طلاب السيد الصدر الذين جعلوا من فكره الأصولي محورًا في تدريسهم، واشتهر بين أساتذته بتميّزه ورسوخه العلمي. ولا أنسى اللحظة التي دخلت فيها مع ثلة من الطلبة على الميرزا علي الغروي (قدس الله سره) عام 1418هـ، فبادر بالسؤال عن الشيخ جواد الدندن وامتدحه والبشر بادٍ على وجهه.
ورغم إيجازنا، فمن الجدير ذكره أن ما حظي به الشيخ الجواد من اعتراف أساتذته بفضله جاء خلال فترة دراسته للسطح والمرحلة الأولى من حضوره للبحوث الخارجة، إذ لم تتجاوز سنوات إقامته في النجف الأربعة عشر عامًا. وهذا يُعدُّ أمرًا نادرًا في الحوزة العلمية، حيث يحتاج أغلب الطلبة إلى حضور دورات إضافية واستيعاب عدة أبواب من الفقه والأصول قبل الاطمئنان إلى فهمهم واستيعابهم.
كان مرجعًا يفصل بين الطلبة المختلفين في فهم الأحكام الشرعية، ومشهودًا له بالدقة في نقل الفتوى واستيعابها.
إن بناة الحوزة العلمية في الأحساء يتميزون بنفسٍ طويل، فكما ابتدأ الشيخ الهاجري والسيد محمد علي مع طلابهم من دروس المقدمات، متنقلين بهم مرحلة بعد مرحلة حتى أوصلوهم إلى البحث الخارج بعد سنوات طوال، كذلك كان الشيخ الجواد، حيث درّس في المرحلة التمهيدية للفقه والأصول الاستدلالي – وقد شهدت ذلك منذ التحاقي بالحوزة عام 1407هـ – ثم السطوح العليا، ثم البحث الخارج، وقد استغرق ذلك منه أربعين سنة!
تميز الشيخ الجواد بالثبات العجيب؛ فلم يعرف الانسحاب أو السعي لاستبدال المواقع. فقد أمضى أربعين سنة في الأحساء بعد مرحلته في النجف الأقدس، تولى خلالها الإرشاد في حملة حج واحدة، واختار بلدة “الجرن” ليستقر فيها، دون أن يستبدلها ببلدة أخرى. كما اتخذ زاوية في الحوزة وظل فيها حتى آخر عمره، غير آبهٍ بما يعكر الصفو أو يُقلب في الأجواء، وهو ما قد يختلف فيه عن الكثير من أقرانه ومن دونه.