أقلام

قناديل لا تنطفيء

السيد فاضل آل درويش

لقد كان شهر رمضان موسمًا زاخمًا بالعبادات والأعمال الصالحة التي تنعكس على شخصية الفرد ألقًا ورقيًا روحيًا وإيمانيًا واجتماعيًا، فتلك المكتسبات كالطمأنينة وضبط النفس والانفعال والصبر تشكل جوانب اقتدار في مواجهة التحديات والصعوبات والظروف الحياتية، كما أن مبدأ محاسبة النفس والتأمل فيما يصدر منه من أفعال وسلوكيات هي وقفة محارب يستعيد بعدها القوة في المضي في مسيره بعد اكتشاف أوجه التقصير والأخطاء التي ارتكبها، فالانتصار للنفس وتصويبها في كل موقف هو من العيوب التي يعتقد الفرد واهما بأنها مصدر قوته وإثبات وجوده، وأن الاعتراف بالخطأ والتقصير هو ضعف لا يقبل الوقوف على دكته، والحقيقة أن الإقرار بالتقصير وصدور الخطأ يعرّفه بالجوانب المظلمة في نفسه ومن ثَمّ يعمل على معالجتها وتعديلها واستعادة الفطرة السليمة والنفس النزيهة الخيّرة المترفعة عن العيوب والنقائص.

كما أن العطاء المتمثل بالصدقة ومد يد العون للمحتاجين قد تجلّى في شخصيته وصبغها بالسخاء وتفاعل الوجدان مع هموم وحاجات الآخرين، وتحسين الأخلاق والتعامل بأفضل ما يكون مبدأ حرص على تجسيده وامتثاله في علاقاته الأسرية والاجتماعية بعيدًا عن الانفعالات الشديدة والاستجابة المتهورة للاستفزازات، بما انعكس عليه هدوءا وسعة صدر ومرور الكرام على التصرفات غير اللائقة من الآخرين، فقد آثر التصالح مع نفسه والتزام السلم والتسامح مع محيطه، فليس هناك من ماحق للدين والحسنات والبعد عن الله تعالى كالتفاعل السلبي مع هيجان النفس من الآخرين والدخول معهم في مهاترات ونقاشات ساخنة عقيمة والمؤدية في النهاية إلى التناحر وتدمير العلاقات، فكل هذه المشاعل الروحية قد أضاءت جنبات نفسه ومكتسبات لا يمكنه التخلي عنها ولا تسربها من بين يديه، فالعاجز من مرق كالسهم من هذا الشهر الكريم وما تفاعل معه، والأعجز منه من أخذ بطرف مكتسباته و تحلّى بها، ولكنها سرعان ما انماثت وتلاشت ورجع خالي الوفاض!!

تلك الروحية والمكتسبات يحتفظ بها الفرد متى ما حافظ على تنقية نفسه من شوائب العيوب وضياع الأوقات فيما لا فائدة منه، واندفع بهمة عالية في ميدان الأعمال الصالحة وصنع المعروف ورسم البسمة على وجوه الآخرين بكلماته الرقيقة الصادقة، واستمر في طريق استمداد الحكمة والبصيرة وإدراك الحقائق وفهم الأحداث والمواقف من خلال كتاب الله عز وجل وما يحمل في طياته من إرشادات تعم مجمل جوانب حياته وعلاقاته، فالشهر الكريم لم يكن إلا بداية الانطلاق في دورة تهذيب النفس والبحث عن النفس القوية.

كما أن الجانب الاجتماعي وإقامة العلاقات المستقرة والوازنة والمؤثرة قد تلقّى دفعة معنوية في هذا الشهر الفضيل، فتبادل التهاني والزيارات والتواصل مع الأرحام والجيران والأصدقاء يتعزز باستمرار الاهتمام والسؤال عن أحوالهم وتفقدها.

وخلاصة القول أن تلك القناديل الروحية والأخلاقية التي استنارت بها نفسه يتم تحويلها إلى إضاءة حياة وأنماط سلوكية يتعزز فيها الورع والاستقامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى