دور الأب والمربي في بناء المجتمع “الشيخ الدندن نموذجاً”

أحمد الطويل
مقدمة:
في خضم الحياة وانشغالاتها، نميل إلى التغافل عن النعم التي تحيط بنا، خاصة أولئك الذين يسهرون على راحتنا ويساهمون في بناء شخصياتنا دون أن يطلبوا مقابلًا. الأب والمربي، سواء كان عالمًا أو معلمًا أو مرشدًا، يمثلان العمود الفقري الذي ترتكز عليه الأسرة والمجتمع. ومع الأسف، لا يدرك الكثيرون قيمتهم إلا بعد فقدهم، حين يصبح غيابهم جرحًا لا يندمل.
الشعاع الذي ينير الطريق
في ظلمة الحياة، حيث يمضي الإنسان في مسيره دون أن يدرك النعم التي تحيط به، يبقى المربي وولي الأمر ذلك الشعاع الذي ينير الطريق، والذي لا نشعر بقيمته الحقيقية إلا بعد فقدانه. إن الأب، ذلك السند الذي يغدق على عياله من خيرات الله، والذي يحتضن أسرته بحنانه ورعايته، غالبًا ما يكون في حالة من الإنهاك والتعب في سبيل راحة الآخرين، ولكن قليلون هم الذين يدركون هذه الحقيقة في حياته.
إنكشاف الحقائق المستورة
إن الإنسان لا يدرك قيمة المربي إلا بعد غيابه، وحينها تبدأ الذكريات تحاصر القلوب، وتنكشف الحقائق التي كانت مستورة بغبار الاعتياد. هذا ما نشعر به اليوم بعد فقدان العالم الجليل والمربي الفاضل سماحة الشيخ جواد الدندن رحمه الله، الذي كان منارًا للعلم والتقوى، ورمزًا للإخلاص والعطاء. فقد عاش مجاهدًا في سبيل نشر الفضيلة والتربية الصالحة، وكان متواضعًا رغم سعة علمه، قويًا في الحق رغم رقته مع الناس. وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، عندما تحدث عن أخ له في الله، فوصفه بصفات قلما تجتمع في رجل، حيث قال: “كان يعظمه في عيني صغر الدنيا في عينه، وكان خارجًا من سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد، وكان أكثر دهره صامتًا، فإن قال بذَّ القائلين ونقع غليل السائلين…” (نهج البلاغة). هذه الصفات الكمالية نجدها جلية في شخصية الشيخ الدندن، الذي كان يعيش بين الناس متواضعًا، يربيهم بسيرته قبل أن يربيهم بكلماته، ويضيء دربهم بنهجه قبل أن ينير عقولهم بعلمه.
إن فقدان الأب والمربي هو فقدان لسور الحماية الذي كان يدرأ عن الأسرة مصائب الدنيا، ويخفف عنها ثقل الحياة. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وآله أبلغ مثال، حيث كان وجوده بين أمته حصنًا من العذاب، كما قال الإمام الباقر عليه السلام، “كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول مقامي فيكم والاستغفار لكم حصن حصين من العذاب، فمضى أكثر الحصنين وبقي الاستغفار فأكثروا منه فإنه ممحاة للذنوب” (ثواب الأعمال للشيخ الصدوق).
إن هذه النصوص المباركة تذكرنا بأن علينا اغتنام وجود المربين والعلماء والآباء في حياتنا، وألا ننتظر حتى نفقدهم لنشعر بفضلهم. فكم من عائلة أدركت بعد فقدان والدها كم كان وجوده نعمة لا تعوض؟ وكم من مجتمع فقد عالمًا عاملاً فأحس بعد رحيله بفراغ لا يمكن ملؤه؟
الخلاصة:
من واجبنا أن نكرم هؤلاء العظماء في حياتهم، وأن نعبر لهم عن امتناننا، وأن نستلهم من سيرتهم ما يعيننا على دروب الحياة. كما يجب أن نكثر من الاستغفار، فهو المنجاة من المهالك، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام، “العجب ممن يهلك، والمنجاة معه، قيل: وما هي؟ قال: الاستغفار” (بحار الأنوار، ج٩٠، ص٢٨٥). وقال رسول الله صلى الله عليه وآله، “عودوا ألسنتكم الاستغفار، فإن الله تعالى لم يعلمكم الاستغفار إلا وهو يريد أن يغفر لكم”.
وفي الختام، فلنتذكر دومًا أن الإنسان لا يعرف قيمة النعمة إلا بعد زوالها، فلنغتنم وجود من نحب، ولنحرص على إكرامهم في حياتهم، ولنكن من الذاكرين والمستغفرين حتى لا نكون ممن يندمون بعد فوات الأوان.
رحم الله الشيخ جواد الدندن، وأسكنه فسيح جناته، وحشره مع محمد وآله الطاهرين.