أقلام

أبو صابر.. مسيرة التحدّي والعطاء

السيد أمير العلي

في رابع أيّام العيد باغتَ فرحتنا المعتادة حزن استثنائيّ، هاجم قلوبنا الخارجة توًّا من رحلة الاطمئنان بالتقرّب إلى الله، ربّما ليختبر صدق إيماننا، ومدى قدرتنا على الالتجاء إلى الله في الأزمات ولحظات المصيبة.

نعم، رحل قبل أمس حبيب طيّب ممتلئ بالصفاء والإشراق الإيمانيّ، اختار أن يسمّى أبا صابر، وأثبت أنّ له من اسمه النصيب كلّه، فكان بحقّ آية الصبر في مصحف الابتلاء الكونيّ الذي كتب الله بحروفه حياة الإنسان المؤمن..

السيّد باقر العليّ، ابن العمّ الكريم، أبو صابر كما يحبّ أن يسمّيه أحبابه، وكما أراد أن يسمّيه القدَر أيضًا، ترجّل عن عربة صبره، بعد خمسة عشر سنةً؛ تحدّى فيها الإعاقة، فكان عالي الهمّة علوًّا لم يترفّع به على غيره، بل اقترب منهم أكثر وأكثر.

فهو كان عالي الهمّة في تفاعله مع أهله وأحبابه، وفي مبادرة النّاس بالمحبّة والعطاء، فكان لا ينتظر من غيره أن يقوموا بواجب خدمته، بل كان هو المسارع إلى الخير، ، مادًّا أياديه بالبذل، ومانحًا مشاعره الدافقة لمن حوله، ومقدّما نموذجًا ومثالًا جديرًا بأنّ يكون قدوة لغيره، بل حجّة عليهم، تلزمهم بأن لا يركنوا إلى أيّ عذر عن أداء واجباتهم وتحمّل مسؤوليّاتهم، والتحرّر من سجن الأنانيّة الفرديّةإلى رحابة الانتماء الجمعيّ؛ (بل الإنسانُ على نفسِه بصيرة، ولو ألقى معاذيرَه).

وهكذا؛ فإنّ ألم الرحيل وحسرة الفقد يحوّلان الراحلين المميّزين إلى رموز في وجدان محبّيهم، حتّى تُكمل رمزيّتهم الحادثة بعد الموت مسيرة حياتهم، فتصبح ذكرياتهم اختزالات لكلّ القيم والمعاني التي كانت حاضرة أيّام أعمارهم المباركة. ويكون الوفاء لهم وإثبات صدق مشاعر الحزن على فراقهم متمثّلًا بالوفاء للقيم التي يجسّدونها، والمبادئ التي ينتمون إليها، وبغير هذا لا تكون المشاعر فاعلة وإن لم تكن مفتعلة؛ (واجعلْ لي لسانَ صدقٍ في الآخرين).

ولكي لا نبتعد في حديثنا عن فقيدنا الحبيب؛ فإنّي أختم وقفتي التأبينيّة القصيرة هذه، برجاء أقدّمه بين أيدي كلّ من اقترب من “أبو صابر”، وعرف شواهد الجمال في عطائه ومحبّته، ودلائل العظمة في عزيمته وعلوّ همّته، ووقف على تجربته في تحدّي مصاعب الحياة وآلام الجسد، بأن يرووا ما رأوه من ذلك، وأن يحدّثوا غيرهم به، وأن يبادروا إلى توثيق كلّ ما يمكن توثيقه، وبالطرق المتاحة، لتتحوّل سيرته إلى مدرسة يرتادها كلّ من يقرؤها، ويستفيد منها كلّ من يتذكّرها، ويقتدي بها كلّ من تضيق به سنوات العمر المحدود، ويبحث عن امتداد خالد على مدى الأزمان وتعاقب الأجيال؛ (خالطوا النّاس مخالطةً، إن متّمْ معها بكوا عليكم، وإن غبتمْ حنّوا إليكم).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى