التقاعد أم التفاعد؟ هل انتهت فكرة الراحة بعد العمل؟

عماد آل عبيدان
التقاعد.. هل هو نهاية أم بداية جديدة؟
لطالما اعتُبر التقاعد المحطة الأخيرة في مسيرة الإنسان المهنية، حيث يتوقف عن العمل ليحظى بالراحة التي انتظرها طويلًا. ولكن في عصرنا الحديث، تغيّرت هذه النظرة تمامًا. لم يعد التقاعد يعني الجلوس على الأريكة وانتظار الأيام تمضي، بل أصبح مرحلة جديدة من الإنتاج، والعطاء، وإعادة تعريف الحياة.
أنا شخصيًا متقاعد منذ أكثر من 13 عامًا، ولكنني لم أكن يومًا “مُتقاعدًا” بالمعنى التقليدي، بل كنت “مُتفاعدًا” – وهو مصطلح جديد اصطلحته شخصيًا فهو يعكس مفهومًا مختلفًا عن التقاعد، حيث لا يعني التوقف، بل الاستمرار في الحياة بشكل أكثر حرية وإبداعًا. “التفاعد” هو مزيج بين “التقاعد” و”التفاعل”، حيث يعبّر عن مرحلة جديدة لا يكون فيها الإنسان خارج دائرة الإنتاج، بل ينتقل إلى أشكال جديدة من العمل، والمشاركة المجتمعية، والاستفادة من الخبرات بطرق غير تقليدية. فهل لا تزال الراحة بعد العمل أمرًا ممكنًا، أم أنها أصبحت رفاهية لا يُمكن تحقيقها؟
أولاً: كيف تغيّر مفهوم التقاعد؟
1. من التقاعد إلى “التفاعد”: العمل بأسلوب مختلف
مصطلح “التقاعد” يوحي بالتوقف، بينما “التفاعد” يعني الدخول في مرحلة جديدة من العمل، ولكن بأسلوب مختلف، أكثر حرية، وإبداعًا، وتنوعًا. المتقاعد التقليدي قد يشعر بأنه فقد دوره الاجتماعي، بينما المتفاعد يواصل دوره في المجتمع، ولكن وفق شروطه الخاصة، سواء عبر الكتابة، أو المشاريع الصغيرة، أو العمل التطوعي أو غيرها.
2. التحول من الراحة المطلقة إلى الاستمرار في الإنتاج
لم يعد التقاعد يعني الراحة المطلقة، فالعقل النشط يحتاج إلى التحديات، والجسد المعتاد على العمل لا يمكنه التوقف فجأة دون أن يتأثر. ولذا، نجد كثيرًا من المتقاعدين يعيدون استثمار خبراتهم في أعمال حرة، أو يشاركون في مشاريع اجتماعية وتنموية.
ثانيًا: لماذا لم يعد التقاعد كما كان؟
1. التغيرات الاقتصادية وضغوط المعيشة
في ظل التضخم وارتفاع تكاليف الحياة، أصبح من الصعب الاعتماد فقط على المعاش التقاعدي، مما يدفع الكثير من المتقاعدين إلى الاستمرار في العمل بطرق جديدة لضمان مستوى معيشي مريح.
2. تأثير التكنولوجيا وسهولة ريادة الأعمال
مع تطور التكنولوجيا، لم يعد العمل محصورًا بالمكاتب، فأصبح بالإمكان العمل من المنزل أو عبر الإنترنت، مما أتاح للمتقاعدين فرصًا كثيرة للاستمرار في العمل دون الالتزام بساعات وظيفية محددة.
3. التغيير النفسي والاجتماعي
العمل لا يرتبط فقط بالكسب المادي، بل هو أيضًا جزء من الهوية الاجتماعية للإنسان. كثير من المتقاعدين يشعرون بالفراغ بعد مغادرة الوظيفة، مما يجعلهم يبحثون عن طرق لإعادة الاندماج في المجتمع واستثمار وقتهم فيما يعود عليهم بالفائدة.
ثالثًا: ما الذي يفعله “المتفاعدون” الجدد؟
لم يعد التقاعد يعني الجلوس في المنزل، بل أصبح فرصة لاكتشاف مجالات جديدة، مثل:
1. العمل الحر والمشاريع الصغيرة: بعض المتقاعدين يستغلون مهاراتهم في مجالات مثل الكتابة، الاستشارات، أو حتى تأسيس مشاريع صغيرة.
2. التعليم والتطوير الذاتي: كثيرون يلتحقون بدورات تدريبية، أو يدرسون مجالات جديدة كانوا يحلمون بها سابقًا.
3. العمل التطوعي والمجتمعي: من خلال الجمعيات الخيرية والمبادرات الاجتماعية، يساهم المتقاعدون في بناء مجتمعاتهم بطرق مختلفة.
4. الاستثمار في الصحة والرياضة: التقاعد يُعطي فرصة للعناية بالنفس، سواء من خلال ممارسة الرياضة أو السفر أو تبني نمط حياة صحي أو مشروع استثماري رياضي مثلًا.
رابعًا: هل الراحة بعد التقاعد أصبحت مستحيلة؟
الحقيقة أن الراحة بمعناها التقليدي – أي التوقف التام عن العمل – لم تعد موجودة لدى كثير من الناس، ولكن هذا ليس أمرًا سلبيًا بالضرورة. الراحة لم تعد في “عدم العمل”، بل في اختيار العمل الذي يناسب الشخص دون ضغوط وظيفية أو نفسية أو التزامات مرهقة.
التقاعد العصري = حرية الاختيار
اليوم، المتقاعد ليس مجبرًا على الاستمرار في العمل، ولكنه مخيّر في الطريقة التي يُريد أن يقضي بها حياته. فبدلًا من الالتزام بوظيفة روتينية، يمكنه العمل وفق شروطه، أو تخصيص وقته لما يحب.
لذا: فالتقاعد ليس نهاية، بل مرحلة جديدة من الحياة
في عالم اليوم، لم يعد التقاعد يعني النهاية، بل هو بداية فصل جديد من العمل، ولكن بشروط أكثر مرونة وحرية. نحن لا نُصبح “متقاعدين”، بل “متفاعدين” – أي أننا ننتقل من مرحلة العمل الإجباري إلى العمل الاختياري، من الوظيفة إلى الشغف، ومن الالتزام إلى الحرية.
السؤال الآن: هل نحن مستعدون لنعيش “التفاعد” بدلًا من التقاعد؟