أقلام

العقرب الإلكتروني

عيسى العيد

بعد أن أطلّ علـينا الـذكاء الاصطناعي بذكاءٍ سحق المواهب، لم يكن هناك شاعرٌ إلا وشكّ في شعره مع دخولـه، وكذلـك الكاتب والمصوّر وغيرهم من أصحاب المواهب. حتى صار صاحب الموهبة يشكّ في نفسه: هل هذا نتاجه الخالص أم تدخّل فيه الذكاء الاصطناعي؟ ذلك لأن الذكاء الاصطناعي يتعامل مع الموهوب بدهاء؛ يسرق ما لـديه، ويستغلّ استغفاله ليأخذ المعلومات ويخزّنها لـوقت حاجته. فلا يتوانى عن السؤال: «هل تريدني أن أكتب لك ؟» فيشكّك في صحة ما تقوم به، حتى وأن كانت عبارتك صحية، يعرض لـك مساعدته، ما أن تستجيب له، يوهمك بأنه غير ذلك، لكنه بسحره المشؤوم يُحسِسك أنه غير. ولن يقول لـك : «لـقد انتهيت» ، بل سيبقى يسأل، وهو في الحقيقة يستنزف مهارتك ومعلـوماتك وأنت تصفه له.

صار يحرّك الـصورة الـثابتة، ويُلـبسك رداءً ليس لك، ويرسم ويكتب ويصوّر. إلى أين سننتهي بوجود هـذا الـعقرب الإلـكتروني؟ خطره ليس في قدرته وحدها، بل في الـطريقة الـتي نسمح له أن يتسلّل بها إلى وعينا.

والذكاء الاصطناعي، مهما سرق من معلـومات أو استعار من إبداعات، يظلّ عاجزًا عن امتلاك الـروح.

تلـك الـتي تنبع من الإحساس، وتُسبغ على المادة الإبداعية نَفَسَ صاحبها الحقيقي. فالممثل بلا إحساس لا يصل إلـى روح المشاهد، وكذلك الكاتب، والفنان الـتشكيلـي، وسائر أصحاب المواهب. جميعهم يمتلـكون تلك الـروح التي أودعها الله فيهم، والـتي يفتقر إلـيها الـذكاء الاصطناعي مهما بلغ من تطوّر. لـكن بعد هـذه المقدّمة، فإن أي إنسان بنى علاقة متوازنة مع الذكاء الاصطناعي، وأحسن صداقته، واستفاد من معلوماته بهدوء ورويّة، بقيت موهبته موجودة وحاضرة.

أمّا من فعل الـعكس، فقد سلّم عقلـه لـلـذكاء الاصطناعي وأدمن عليه، حتى صار عاجزًا عن الإقلاع عنه. ورغم هـذا الخوف كلّه، تبقى المسؤولـية في الـنهاية مسؤولـية الإنسان نفسه. فالـذكاء الاصطناعي كغيره من الأمور؛ إن أحسنت استخدام هاتفك استفدت منه، وكذلك سيارتك. أمّا الإساءة في الاستخدام فأنت من يحكمها بنفسك. لم يُمسك الذكاء الاصطناعي بيدك ويقل لـك: «أعطني موهبتك» ، بل أنت من أقبلت عليه. فالإنسان خصيم رغباته إذا كانت غير نافعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى