
تركي البعيجان
يقوم جدار الحماية الإنساني على ثلاث دعائم رئيسة:
أولًا- حكمة العقل.
يستقبل الإنسان الأفكار من مصادر متعددة، سواء من البيئة الخارجية أو من خلال تأمّلاته الذاتية وخواطره الوجدانية. وبطبيعة الحال، ليس كلّ فكرةٍ يلتقطها الذهن صالحة أو جديرة بالاعتماد؛ وهنا يتجلّى دور التفكّر في فحص تلك الأفكار وتمييز صحيحها من خطئها، ونفعها من ضررها.
وتظهر حكمة العقل في مواجهة الأفكار التي يتبنّاها الإنسان؛ فحين تكون أفكاره إيجابية فإنّها تدفعه تلقائيًا نحو الارتقاء والنمو، أما حين تكون الأفكار سلبية ومحبِطة أو معيقة لمسيرته، فهذا يُضاعف من أهميّة امتلاكه للحكمة في مواجهة تلك الأفكار، وحيثما امتلك الحكمة تقدّم في مسيرته، وبفقدان الحكمة، تصبح مسيرته مهدّدة بالاختراق السلبي، بما يُفقدها توازنها.
وتتضاعف خطورة الأفكار حين تتحوّل إلى معتقداتٍ مستقرةٍ في ذهن الإنسان، إذ تنشأ عنها مشاعر من جنسها؛ فإن كانت تلك المعتقدات سلبية أو معيقة، انعكس أثرها مباشرة على سلوك الإنسان ومواقفه في الحياة، وقد تُحدث تشويشًا كبيرًا في مسيرته.
ولا ترتبط المعتقدات بالآخرين أو بالبيئة المحيطة فحسب؛ بل قد يحمل الإنسان في أعماقه معتقداتٍ معيقةً عن ذاته شخصيًا، فتؤثّر بقوةٍ على ثقته بنفسه وقدرته على التعامل مع الأحداث. فمثلًا، إذا اعتقد الإنسان أنّه ناقص أو غير قادر، فإنّ هذا الاعتقاد يدمّر توازنه الداخلي؛ لأنه عند مواجهة أيّ تعليقٍ أو نقدٍ خارجي يلامس هذا المعتقد، تتولّد في داخله مشاعر سلبية تنتزع منه حسن التصرّف، وتكشف عن غياب الحكمة في معالجة تلك المواقف.
ومن هنا تأتي الحكمة لتكون صمّام الأمان في محاكمة الأفكار والمعتقدات التي يتبنّاها الإنسان، سواء اكتسبها من الآخرين أو تولّدت من خلال تجربته الذاتية. فبالحكمة يستطيع أن يختبر صدق تلك الأفكار، ويفكّك المعيق منها، ويستبدله بما ينهض بحياته. وتأكيدًا على أهميّة الحكمة ودورها في حياة الإنسان يقول الله تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} “البقرة، 269″، وحين نتأمل كلمات أمير المؤمنين (ع) نستشعر موقعيّة الحكمة في شخصية الإنسان وحياته، يقول (ع): ((ضَالَّةُ الْعَاقِلِ الْحِكْمَةُ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا حَيْثُ كَانَتْ)) “نهج البلاغة، الحكمة: 80″؛ ويقول (ع): ((مَنْ عُرِفَ بِالْحِكْمَةِ، لَاحَظَتْهُ الْعُقُولُ بِالْوَقَارِ)) “نهج البلاغة، الحكمة: 107″؛ يقول (ع): ((بِالْحِكْمَةِ يُكْشَفُ غِطَاءُ الْعِلْمِ)) “نهج البلاغة، الحكمة: 147”.
وبامتلاك الحكمة، يُحقق الإنسان الركيزة الأولى في جدار الحماية الإنسانية، الذي يحصّنه فكريًا من الانجراف وراء الأفكار المدمّرة أو المعتقدات المعيقة لمسيرته. وبالتأكيد فإن إقرار الإنسان بحقيقة تلك الأفكار والمعتقدات يُمثّل حجر الأساس لمواجهته إيّاها، وإلا حين يكون مقتنعًا بأن أفكاره ومعتقداته ليست السبب وراء عرقلة مسيرته في الحياة، فإنه لن يمتلك الحكمة التي تدفع به لتصحيح تلك المسيرة.
ويبقى أمامنا دعامتين أتطرق إليهما في المقال القادم.




