أقلام

حين أصبحنا نحن الجيل القديم

يوسف الطويل

عندما كنا صغارًا، كان بعض من هم أكبر منا يستصغروننا.

نتكلم في موضوع، فيتعجبون: من أين عرفتم هذا الكلام وأنتم ما زلتم صغارًا؟

ولم يكن الأمر غريبًا.

فنحن كنا نقرأ ونكتب ونحسب، وندرس أشياء لم تتح لكثير ممن سبقونا فرصة دراستها. كانت بين أيدينا أدوات للمعرفة لم تكن بين أيديهم، ومع ذلك كانوا أحيانًا يحكمون على مقدار علمنا من خلال أعمارنا.

كبرنا…

والغريب أننا بدأنا نفعل الشيء نفسه مع أبنائنا.

ننظر إلى هذا الجيل أحيانًا نظرة دونية، ونقول: ماذا يعرفون؟ ماذا جربوا من الحياة؟ نحن أكبر منهم وأكثر خبرة.

نعم، نحن أكثر خبرة في أشياء كثيرة، فالسنون تعطي الإنسان تجربة لا يستطيع أن يحصل عليها من كتاب أو جهاز.

ولكن هل الخبرة تعني أننا أكثر علمًا منهم في كل شيء؟

هذا الجيل نشأ في عالم مختلف تمامًا عن عالمنا.

كانت مصادر معرفتنا محدودة: مدرسة، ومعلم، وكتاب، وربما مكتبة لمن يحب القراءة.

أما هو، فإلى جانب المدرسة والكتاب والمعلم، أمامه الإنترنت والمنصات التعليمية ووسائل التواصل، وملايين الكتب والمقاطع والمحاضرات، واليوم أصبح بين يديه الذكاء الاصطناعي.

ولذلك ألاحظ في هذا الجيل شيئًا جميلًا: الشغف بالسؤال.

يسألون وهم صغار عن أشياء لم نبدأ نحن بالسؤال عنها إلا عندما كبرنا.

ويناقشون ويحللون ويربطون بين الأشياء بطريقة جميلة.

حتى التعليم نفسه تغير. نحن نشأنا في بيئة تعليمية كان التلقي والحفظ فيها يأخذان مساحة كبيرة: المعلم يتكلم، والطالب يسمع ويحفظ ثم يجيب.

أما اليوم، فمساحة الحوار والسؤال والبحث والعرض والتفكير الناقد أكبر. وأصبحت أمام الطالب أنشطة ومسابقات ومناظرات وأندية للخطابة والحوار، جعلت كثيرًا من الشباب أكثر جرأة وثباتًا في عرض أفكارهم ومناقشتها.

ولهذا عندما يناقشك ابنك أو ابنتك بثقة، لا ينبغي أن يكون أول تفسير لدينا أنه يجادل الكبار أو لا يحترم خبرتهم.

ربما هو ببساطة تعلّم أن يسأل أكثر مما تعلمنا نحن أن نسأل.

بل إن الهاتف الذي في يده فتح أمامه أبوابًا لم تكن مفتوحة لنا في عمره؛ فأصبح يتعرض لأفكار وثقافات وقضايا دينية واجتماعية مختلفة، ويقارن بينها، ثم يعود إلينا أحيانًا بأسئلة لم تخطر لنا في سنه.

ولا يعني ذلك أن كل ما يصل إليه صحيح، فالإنترنت يحمل المعرفة كما يحمل الخطأ والتضليل. ولذلك لم يعد الأهم أن نقول له: لا تسمع، بل أن نعلمه *كيف يسمع، وكيف يسأل، وكيف يميز.

والطريف أننا نعترف بتفوقهم علينا في بعض الأمور من حيث لا نشعر.

يتعطل الهاتف فنناديهم.

نحتار في تطبيق فنقول: تعال شوف لي هذا.

يأتي الابن أو الحفيد، يضغط ضغطتين وتنتهي المشكلة.

ثم نقول له:

طيب… وش سويت؟ علمني!

نستعين بمعرفتهم عندما نحتاج إليها، ثم قد نستصغر معرفتهم عندما يناقشوننا!

ولكن هناك جزءًا آخر من الحكاية ينبغي ألا ننساه:

نحن أيضًا شاركنا في صناعة هذا الجيل.

في أيامنا، لم يكن الاهتمام بالدراسة عند كثير من الأسر كما هو اليوم. قد ينجح الطالب أو يرسب، وقد تتزامن اختباراته مع سفر الأسرة، فلا تتغير كل خطط البيت من أجل اختباره.

أما نحن، فعندما أصبحنا آباء وأمهات، تغير الأمر.

صرنا نتابع أبناءنا: كم أخذت؟ لماذا نقصت هذه الدرجة؟ متى اختبارك؟ ماذا تريد أن تتخصص؟ وأين ستدرس؟

وفرنا لهم الأجهزة والإنترنت والدورات واللغات والأنشطة، وساعدناهم في تعليمهم، وفرحنا بتفوقهم، وقلقنا على مستقبلهم.

ثم بعد أن شاركنا في صنع كل هذه البيئة، نستغرب أنهم أصبحوا مختلفين عنا!

والحقيقة أن اختلافهم هو ما ينبغي أن نتمناه.

آباؤنا بنونا بما كان متاحًا لهم، ونحن أخذنا ما بنوه وأضفنا إليه، وحاولنا أن يكون بنيان أبنائنا أفضل من بنياننا.

وليس في هذا انتقاص من آبائنا، بل نجاحنا هو امتداد لنجاحهم. فلو أنهم لم يوصلونا إلى النقطة التي وصلنا إليها، لما استطعنا أن نبدأ منها ونضيف عليها.

وهكذا ينبغي أن تكون الأجيال:

جيل لا يهدم ما بناه الذي قبله، ولا يكتفي به؛ بل يبدأ منه ويضيف إليه.

ولذلك لا أتمنى أن يكون أبناؤنا نسخة منا.

أتمنى أن يتجاوزونا.

أن يكون علمهم أوسع من علمنا، وأن تكون قدرتهم على السؤال والتحليل أكبر، وأن يستفيدوا من أدوات عصرهم أفضل مما استفدنا نحن من أدوات عصرنا.

ثم يأتي دورهم، فيبنون أبناءهم أفضل مما بنيناهم نحن.

فالأجيال ليست في سباق ليثبت كل جيل أنه أفضل من الآخر.

إنها بناء متصل.

جيل يضع طابقًا، ويسلم البناء للذي بعده، فيضيف إليه طابقًا آخر.

قال بعض من سبقونا عنا: ماذا يعرف هؤلاء الصغار؟

وها نحن أحيانًا نقولها عن أبنائنا.

وربما سيقولها أبناؤنا يومًا عن أبنائهم.

ولكنني أتمنى أن تنكسر هذه الدائرة، وأن نفهم أن تفوق الجيل الذي بعدنا في العلم والمعرفة والقدرة ليس هزيمة لنا…

بل قد يكون أجمل نجاح حققناه.

وحين أنظر اليوم إلى أبنائنا وبناتنا، وإلى ما يتعلمونه، والأسئلة التي يطرحونها، والثقة التي يتحدثون بها، لا أسأل فقط:

كيف أصبح هذا الجيل هكذا؟

بل أسأل سؤالًا آخر:

أي وطن سيبنيه هذا الجيل عندما يأتي دوره في البناء؟

وأتمنى أن أراه بأيديهم أكثر علمًا، وأقوى اقتصادًا، وأوسع رخاءً، وفي مقدمة دول العالم.

وحينها لن يزعجني أنهم لم يفكروا بطريقتنا.

بل سأفرح لأنهم تجاوزوها.

فلو كان الأبناء مجرد نسخة من آبائهم… فما الذي تقدم؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى