
علي الوباري
هل الكتابة عن الإدارة حسب ما أنتجه المفكرون الإداريون الغربيون في بيئة مختلفة بطبيعتها الاقتصادية وثقافتها التنويرية ونابعة من نهضتهم الصناعية وحداثتهم الفكرية تقدم فائدة لقراء يعيشون العلاقات الاجتماعية العائلية والقبلية، والإرشاد الديني بالتكافل والتضامن، ومن مبدأ الأقربين بالمعروف، والحياة يفهمها الغالبية بأن الرزق ستحصل عليه بقضاء الله وقدره مع تجاهل الأسباب، أو الذي مكتوب على الجبين ستراه العين. وضعت هذه التساؤلات لنعرف فوائد علم الإدارة وصناعة القادة في بيئة ثقافية اجتماعية تعيش الموروث الديني والاجتماعي والنصوص الدينية مسيطرة على ثقافتهم ليس نقدًا ولكن توصيفًا.
إن علم الإدارة التي ارتبطت بالقائد صنعت مؤسسات وشركات ناجحة، وخولت منظمات فاشلة ومتعثرة – دون شك- إلى أنجح المنشآت بسبب القيادة واستيعاب القائد معنى الإدارة والقيادة وتطبيقها على الموظفين، والاهتمام بالموارد البشرية، وتطبيق وظائف الإدارة في المنظمة بشكل صحيح مثل التخطيط والتنظيم والتوجيه وتحديد الأهداف.
كتاب (نظرات عامة في القيادة والإدارة) للكاتب أمير بوخمسين بالرغم من صغر حجمه وعدد صفحاته البالغة ١٥٠ صفحة، ولكنه عميق في محتواه وتجربته الكتابية النوعية في موضوعين اختصاصيين مثل الإدارة والقيادة التي نقلت مفاهيمها وموضوعاتهما المنهجية من الجامعات الغربية، وتحديدًا الولايات المتحدة الأمريكية التي كان لها السبق في تأسيس مفردات ومصطلحات إدارية وقيادية، وانتقلت إلى المشاريع الصغيرة الإبداعية وريادة الأعمال، وتكورت الإدارة من خلال حقبة زمنية متراكمة برواد وعلماء إدارة وعلم اجتماعي تنظيمي وسلوكي تهتم بالكفاءة والإنتاجية ابتدأت منهجيًّا من فريدريك تايلور وهنري فايول وماكس فيبر الذين كتبوا عن الإدارية. وتطوّر علما الإدارة والقيادة حتى أنهما انتقلا إلى الإدارة والقيادة اللتين تعدان العامل كترس في ماكينة، انتقلت الإدارة إلى المفهوم الإنساني برواد مثل إلتون مايو وإبراهام ماسلو، وبيتر دراكر الذين ارتقوا بالإدارة إلى عالم أحدث وأكثر واقعية تهتم بالجوانب النفسية والاجتماعية والإنسانية.
المواضيع الاختصاصية ليس بالسهل الكتابة فيها خصوصًا إذا كان منشأها وتجربتها مختلفان عن البيئة الاجتماعية المحلية المحكومة بعلاقات القرابة والحث على مساعدة القريب والنخوة القلبية والشهامة الاجتماعية.
نذكر للكاتب أمير بوخمسين الغزير بثقافته والمتنوع في إنتاجه الثقافي، فقد تعدد أمير بكتاباته ومؤلفاته النوعية، وهو نشيط في البرامج الثقافية والادبية، ويشارك في إدارة الفعاليات الثقافية والاجتماعية ويقدم افكاره وآرائه الناتجة من دراسته وقراءاته وتجاربه، والمؤلف محل تقدير بمساهماته الفكرية وتطرقه لمواضيع اختصاصية مثل الإدارة والقيادة لأن الاختصاصين محل نقاش وبحث ودراسة من قبل الجامعات والكليات المختصة لعلاقتهما بالاقتصاد والتنمية الشاملة، وجودة الحياة، وهما سر نجاح المؤسسات والشركات والدول.
كتاب (نظرات عامة في القيادة والإدارة) للمؤلف أمير بوخمسين صدر عام ٢٠٢٥ بعناوين إدارية وقيادية تضمن الكتاب ٣٦ موضوعًا منها ١٣ موضوعًا يشتمل على مفردتي القيادة والقائد بما يعني أنه قد ركز على مفهوم القيادة، ويكتب الكاتب “إستراتيجية ممتازة أخرى لتصبح قائدًا استثنائيًّا هي مراقبة من حولك وشاهد كيف يتعاملون مع المواقف” يعني القائد يستفيد من التجارب ويكتسب من القراءة مهارات القيادة كذلك يذكر المؤلف “يعد تقييم أثر القيادة على نجاح المؤسسات هو مسألة حاسمة لأية مؤسسة”، ويؤكد الكاتب أن من صفات القادة “لديهم نزاهة وشخصية قوية والتزاما”، كما يقول المؤلف إن الابداع في القيادة بالتواصل والذكاء العاطفي والنزاهة والالتزام والمبادرة، كما يذكر الكاتب في كتابه “أخذ زمام المبادرة يعد سمة أساسية للقائد الناجح”.
مما يعني أن القيادة هي بداية نية داخلية في الشخصية مع العمل بتخطيط وتوجيه ذاتي واكتساب معارف ومهارات لتعزيز نقاط القوة ومعالجة نقاط الضعف.
كتب المؤلف عن الإدارة للفريق والأساليب التي يمكن تطور القائد وتحسن أداء فريقه مثل التغذية الراجعة، وتجنب العمل الفردي وتجاوز بؤر الفشل باعتبارها محطات تعلم وتدريب ذاتيين.
ولأهمية العلاقات ينوه الكاتب إلى أن العلاقات الايجابية تتجاوز الأخطاء غير المقصودة وتعالج الزلل المتعمد في صفحة.
ويكمل المؤلف في العلاقة بين الإدارة والقيادة بذكر أن القائد يتحمل المسؤولية ولا يحمل غيره خطأه وينبغي أن يستقبل النقد بصدر رحب حتى لو كان شخصيًّا.
يتطرق المؤلف في الكتاب بين حدود التدخل في شئون الآخرين واحترام خصوصيتهم والابتعاد عن توجيه الأسئلة الشخصية وأن يتحلى بالذوق العام المحبب في حواراته مع الآخرين، ويؤكد على تنمية مهارات التعامل مع الآخرين مثل تعزيز الاتصال والتواصل ما بين القائد وأتباعه ويسعى في تحقيق نطالب الموظفين المعقولة، ويمارس دور الملهم لتحقيق أهداف مشتركة بواسطة قيادة فعالة.
أيضًا يذكر المؤلف في كتابه أن القائد الناجح من ينفتح على غيره ولا يعتبر كل اقتراح ناجح من فريق عمله ضعفًا في شخصيته بل هو نجاح مشترك يأتي بالانفتاح والتفاعل، وينوه المؤلف عن النرجسية والمزاجية فهما قاتلتان في الإدارة والقيادة لأنها ترسخ الأنا وتخلق جو من التوتر.
القائد الناجح ايضا من لا يعد نفسه معصوم من الخطأ بل يعزز ذاته في تحديد الاهداف والتعلم من الاخطاء.
يتطرق الكاتب إلى محطة مهمة وهي محطة التقاعد وانقطاع الموظف عن الواقع الاجتماعي بعد تقاعده، ويحذر منها فهو ي مميته للمتقاعد ذهنيًّا وجسديًّا بل ينبغي على الموظف المتقاعد الاستدامة بالتعايش الاجتماعي ونشر مكتسبات ثقافته وخبراته في المجتمع، ويفضل للمتقاعد ان يزكي تجاربه ومهاراته ويترك اثرًا إيجابيًّا في المجتمع.
العلاقة بين الإدارة والقيادة وطيدة، فإذا الشخص فهم فلسفة الإدارة واستوعب مفاهيمها في إدارة الذات وحدد أهدافه وعلاقته مع الآخرين باتباع أسلوب اتصال فعال وباستخدام أدوات الاتصال بمضامين مفهومة بحيث يستجيب القائد للتغذية المرتدة والاستفادة من الموظفين ومن حوله.
الإدارة تستوعب بالتراكم وتبدأ من البيت باتباع نظام أسري يوجه الطفل لمعرفة حدود علاقته بوالديه وإخوته ويوجه نحو تنظيم مالي واهتمام بتطوير نفسه بنفسه حين يراقب ما يحدث حوله في المدرسة والمجتمع لتنمو لديه مهارات الاتصال، ويحسن قيادة نفسه في فضاء مفتوح بمعرفة مجانية بواسطة الاجهزة الذكية حتى يكبر وينضج على استيعاب الإدارة العلمية ويعد نفسه قائدا في مجتمعه وفي المنظمة التي ينتمي لها.





