
عيسى العيد
في لحظةٍ قاسية، وأمام موجٍ من الـتعثّرات، يقف الجوع وقساوة الحياة أمام أبٍ وطفلته التي ماتت أمّها وهي في ريعان طفولتها؛ فلم تتلقَّ حنان الأمومة، ولكن أباها عوّضها بكل ما يملك من حنانٍ ورأفة، وهو الـذي فقد هـو الآخر حنان الأمومة. كأنّ التاريخ يعيد نفسه ويكتب على الاثنين هذا الحرمان، غير أنّ العنصر الرئيس الذي يهدد الطفلة بالموت هو الجوع والخوف معًا. وأمام ذلـك، يقرّر الأب رغم قسوة الإقدام وتأنيب الضمير اتخاذ القرار الأصعب.
إن اتخاذ الـقرار من أصعب الأمور؛ لأن الـقرار نابع من عقلٍ قد اشتغل على تهذيبه ونقده حتى خرج بالصورة التي هو عليها، كما أن أكبر معوّق للقرار هو العاطفة التي تضع الأحجار الـعاثرة في طريق خروجه. وهنا يُعتصر صاحب القرار بين أن يتخذه أمام أي صعوبات، وأن يحتمل نتائجه أينما كانت.
بعض الأحيان يصطدم الـقرار مع الـضمير، بل يلاحق صاحبه ويؤنّبه: لماذا أقدمت على فعلٍ قد تتخلى عن قناعاتك في سبيل إرضاء ضميرك الداخلي.
في رواية دلـشاد: سيرة الجوع والشبع للمؤلفة العُمانية بشرى خلفان، التي تؤرخ لفترة زمنية في عُمان، نرى كيف كان الجوع مسيطرًا على فئة كبيرة من الناس، ولإشباع ذلك الجوع قد يتخلى البعض عن ذاته في سبيل العيش.
وليس الجوع فقط جوع البطن، بل هـناك أنواع كثيرة من الجوع؛ فهناك الجوع الـفكري، والجوع الـعاطفي، وغير ذلـك من الأمور المتعلقة بالإنسان.
في الـرواية المذكورة نستلـهم الـدروس والـعِبر، ولكنني سأتطرق إلـى درس مهم في حياة الـناس، وهو اتخاذ الـقرار واحترامه. إن دلشاد اتخذ قرار تسليم ابنته رغم الصراع العاطفي الكبير، والأغرب والأصعب سفره ومواجهة مصير آخر لـه، رغم أنه يعتصر ألمًا على ابنته. رغم ضعف دلـشاد المادي والمعنوي، واجه الـصعوبات والتحديات، وأصعب الأمور التي مرّ بها كانت اتخاذ القرارات واحترامها في ظل قساوتها ومآسيها.
دلـشاد الـذي عاش لا يعرف هـويته؛ إذ إن امرأة بلوشية عرفته بهذا الاسم ومعناه بالعربي «القلب المسرور» بعد فقده لهويته، لأنه لا يعرف من هو أبوه، وهل المرأة التي كان يعيش معها هي أمه أم لا، حيث كان شاكًا في ذلك، لأنه يتلقى الضيم من الآخرين دون أن تدافع عنه. لذلك انتقل إلى البلوش في مسقط، وهنا تبدأ قصته التي يصعب اختصارها في مقال، وأتركها للقارئ للاطلاع عليها بكل تفاصيلها.
الدرس الذي أستطيع أن أتحدث عنه من دلشاد هو اتخاذ القرارات؛ فرغم صعوبة حياته، كان يتخذ القرار ويمضي فيه رغم المعوقات التي تعيقه، ولكنه لا ينثني عنه بل يواصل فيه. إن القرار لدى أي إنسان لا بد أن يُحترم؛ لأنه من احترام الذات، وعليه تحمّل العثرات، لأن قراره لم ينبع من عاطفة، إنما نبع من عقلٍ وتدبّر. إن القسوة التي تبدو في ظاهرها قرار.. هي في الحقيقة أسمي درجات الرحمة.




