أقلام

كيف نتعامل مع الأزمات؟

أمير بوخمسين

يحتاج الكثير من الناس الى تفريج لهمومهم، وهذا ينطبق على الجميع بغض النظر عن الدين أو الهوية، لذلك تسعى الكثير من المجتمعات للجوء إلى رب العالمين. فأزمة البلاء والابتلاء ووقوع الفتن والمصائب للبشر موجودة ما دامت الحياة مستمرة وما دام الإنسان يعيش على الأرض وهذه سُنة إلهية كونية قائمة.

قال تعالى: «وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ» (البقرة: 155 / 156).

ولأننا نهتم بأجسادنا حين تتعب، ونهرع إلى الدواء إن ألم بنا مرض، ولكننا كثيرًا ما نغفل عن ذلك الجانب الهادئ في داخلنا، الجانب الذي يمنح الحياة معناها، ويمنح الإنسان قدرته على الاستمرار.

هنا تأتي الصحة النفسية، باعتبارها حالة من الانسجام الداخلي تجعل الإنسان قادرًا على أن يعيش حياته بقدر معقول من الطمأنينة. الصحة النفسية ليست أن يخلو الإنسان من الحزن أو القلق، فالحياة بطبيعتها مليئة بالتقلبات، ولا أحد يسير فيها بلا تعثر. ولكنها القدرة على أن نمر بهذه المشاعر دون أن نستسلم لها، وأن نخرج من الأزمات أكثر فهمًا لأنفسنا وأكثر هدوءا في مواجهة الأيام. وفي الحقيقة، تبدأ العناية بالصحة النفسية من أمور بسيطة للغاية، لكنها عميقة الأثر. أن يمنح الإنسان نفسه لحظات من الهدوء بعيدا عن الضجيج، أن يسمح لنفسه بالراحة حين يتعب، وأن يتحدث عما يثقل صدره بدل أن يدفنه في الداخل. فالكثير من الاضطراب الذي يعيشه الناس اليوم ليس سببه الأحداث وحدها، بل الصمت الطويل الذي يختزنون فيه مشاعرهم.

كما أن للعلاقات الإنسانية دورًا كبيرًا في سلامة النفس. الإنسان كائن اجتماعي بطبيعته، والقلوب تسعد أحيانا بكلمة طيبة أو حضور صادق.

وجود شخص يسمعك باهتمام، أو صديق يشاركك همومك، قد يخفف من ثقل الحياة أكثر مما نتخيل. لذلك فإن أجمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان لنفسه هو أن يحيطها بعلاقات صحية قائمة على الاحترام والصدق. ولا يقل عن ذلك أهمية أن يتعلم الإنسان فن عدم المبالاة. فليس كل ما يحدث يستحق أن نحمله معنا طويلًا.

كثير من الناس يثقلون أرواحهم بذكريات مؤلمة أو مواقف عابرة، حتى تتحول الحياة في داخلهم إلى عبءٍ ثقيل. ومن أجمل ما يعزز الصحة النفسية، شعور الإنسان بأن لحياته معنى. حين يشعر المرء أن وجوده نافع، وأن له دورًا في خدمة الآخرين أو في بناء شيءٍ جميل، فإنه يكتسب قوة داخلية كبيرة.

المعنى يمنح الإنسان قدرة مذهلة على الصبر والتحمل، وقد مرّ البشر عبر العصور بظروف قاسية.. حروب وأزمات وخسارات، ومع ذلك ظل الإنسان قادرًا على أن يبتسم، وأن يحب، وأن يبدأ من جديد. هذه القدرة العجيبة على استعادة التوازن هي أحد أسرار النفس البشرية. ولمواجهة الأزمات والكوارث يتطلب الأمر بعض الخطوات الفعّالة والمدروسة لتفادي الآثار المترتبة نتيجة ذلك.. رفع الوعي عبر نشر المعلومات حول كيفية الاستجابة للأزمات. وتثقيف المجتمع من خلال توفير ورش عمل وندوات لتعريف الأفراد بكيفية التعامل مع التهديدات. كذلك التواصل الفعّال، واستخدام وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لنقل المعلومات بسرعة. وتقدير وتقييم الاحتياجات بشكل مستمر لضمان تلبية المتطلبات. إضافة لتقديم خدمات الدعم النفسي للمساعدة في التعامل مع الصدمات، والتكاتف والتعاون بين أفراد المجتمع.

فمهما اشتدت الضغوط، يبقى في داخل الإنسان ميل فطري نحو الأمل، ورغبة في أن تستقيم الحياة من جديد. لذلك فإن الاهتمام بالصحة النفسية ليس انسحابًا من الحياة، بل هو استعداد أفضل لمواجهتها. الإنسان الذي يعرف كيف يعتني بروحه يصبح أكثر قدرة على العطاء، وأكثر هدوءًا في قراراته، وأكثر لطفًا مع نفسه ومع الآخرين. وحين تكون النفس متوازنة، ينعكس ذلك على كل شيء.. الأسرة، والعمل، والعلاقات، وحتى على نظرة الإنسان للعالم من حوله.

وكلما تعلم الإنسان أن يصغي إلى صوته الداخلي، وأن يمنح روحه ما تحتاجه من هدوء وصدق وطمأنينة، اكتشف أن السلام الحقيقي يبدأ من الداخل، ثم يمتد ليضيء ما حوله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى