أقلام

المجتمع بحاجة للمزيد من المحفزات

أمير الصالح

مقدمة

قد تلتحق بدورة تدريبية سنوية لمدة أسبوع أو أسبوعين بهدف إجادة أو إتقان أو صقل أو اكتساب مهارات مهنية أو معرفية معينة تعينك على أداء مهماتك اليومية المهنية.

تخيل أنك تعيش بشكل سنوي دورة لمدة شهر كامل (شهر رمضان) من كل عام بهدف بناء شخصك وضبط سلوكياتك وتحسين مهارات تواصلك وتقوية إرادتك.

إحياء شهر رمضان مع وجود وعي وذهن حاضر وخطط واضحة تبني شخصية ذات سلوك راقٍ يجعله معين لا ينضب ونهر جار مليئ بالعطاء. فشهر رمضان المبارك ينمي:

١- مهارة تدريب كبح الرغبات وتأجيل الشهوات

٢- مراقبة الذات بشكل مستمر

٣- تفادي التشتت وزيادة منسوب التركيز

٤- إتقان توجيه الطاقة والوقت والقرار نحو الأهداف الكبيرة عبر التركيز

٥-زيادة منسوب الثقة بالنفس وصيانتها من الانكسار

٦- صنع شخصية أقوى وأكثرصبرًا وحكمة ورشدًا ووعيًا.

إلا أن الواقع اليومي يقول إن هناك مُثبطات ومشتتات ومنغصات؛ ولعل أقوى المثبطات على مستوى الأفراد هي إدمان سلوك وأعمال غير مُصنَّفة ؛ وتتسلل للإنسان تلكم السلوكيات والأقوال والأفعال في غفلة منه. تلكم المثبطات والمشتتات تهدر الوقت والموارد وتستنزف الطاقة النافعة وتعرقل النمو وتشتت التركيز وتدفن الفرد والمجتمع في أسفل قوائم الإنتاج والإبداع.

حوار

كلمة الإدمان addiction أصبحت لصيقة بمتعاطي المخدرات، ولكن في الواقع هناك عدة مظاهر تنم عن إدمان غير مرئي؛ وإدمان من أنواع متعددة وذات ارتدادات سيئة جدًّا؛ والكثير يغفل عنها أو لا يدقق في نتائجها أو لا يعبأ بها إلا متأخرًا.

الإنسان يمر بمراحل مختلفة خلال أيام عمره ويكبر جسدًا وقد يكبر وعيًا ونضجًا وقد لا يكبر وعيًا ونضجًا وإنتاجا. البعض توضح معالم أهدافه ويكتشف شغفه ويختار نمط حياته ويسمو بالتمسك بقيمه ومبادراته ومشاركاته مبكرًا، وآخرون يصحون متأخرًا، والبعض قد لا يعي ذلك كله حتى آخر عمره.

المحفزات (Catalysts)

الوظيفة: تسرع التفاعل وتزيد كفاءته.

المثبطات (Inhibitors)

الوظيفة: تبطئ أو توقف التفاعل نحو بلوغ الهدف.

إدمان في إدمان

ونذكر هنا بعض أبواب الإدمان الخفي، مع مقترح ووصفات لتجاوز كل منها:

1 – إدمان العالم الرقمي Digital addiction

الحل: تحديد وقت استخدام العالم الرقمي والسوشيال ميديا والألعاب الإلكترونية. وعمل صومي رقمي بشكل دوري.

2 – إدمان الانخراط في متابعة الأقوال والأفكار والأخبار المحبطة

الحل: حرث والتنقيب عن وغرس الأفكار الطيبة والدوام على احتضانها والتفاؤول العقلائي.

3 – إدمان التردد في القرارات Procrastination

الحل: الحزم والعزم ووضع أهداف

عملية واضحة وتجزئة المهام الكبرى إلى صغيرة قابلة للتنفيذ.

4 – إدمان المجاملة للناس People pleasing

الحل: وضع خطوط حمراء وحدودًا لكل علاقة بأي شخص

مع الحفاظ على سلم الأولويات ( صحتك، دينك، أسرتك، والداك، وظيفتك، جيرانك… إلخ)

5 – توجس الخوف من خوض التجارب بشكل مفرط (من دنت همته لا تصاحبه) الامام علي (ع).

الحل: أطر كل تجربة فشل في إطار تعليمي لتصحيح المسار واستهداف طرق بديلة.

6 – إدمان التشكيك في القدرة الذاتية Self-doubt

الحل: عزز الثقة بالنفس والابتعاد عن المتنمرين والمتهكمين

7 – إدمان إنجاز الكمال Perfectionism

الحل: تقدم وأنجز وإن تعثرت قليلًا، خير لك من انتظار اكتمال كامل مقدمات مرحلة الكمال من وجهة نظرك قبل الإقدام.

8 – إدمان التبرير للإخفاق

الحل: شطب سياسة إلقاء اللوم على الآخرين وتحمل المسؤولية لتبعات أي قرار .

9 – إدمان المقارنة مع مايملكه الآخرون

الحل: القناعة بما في اليد والاستمرار ببذل أقصى الجهود سعيًا للافضل؛ وتعميق الإيمان بأن الرزاق ومسبب الأسباب هو الله جل جلاله

10 – إدمان العلاقات السامة وغير الصحية وغير الأخلاقية

الحل: الإيقاف التام لكل ما يعيق الإنسان من السير نحو الأفضل في دنياه وآخرته.

11 – إدمان التفكير المفرط في كل شيء

الحل: التركيز في الزمن الراهن والاستمتاع باللحظة؛ التدبر بروح تفاؤلية؛ الابتعاد عن المتشائمين وغيرهم من الهابطين الوضيعين والمتشائمين.

12 – إدمان الركون للوضع الآسن الراكد

الحل: الانطلاق في اكتشاف آفاق

وتجارب جديدة لمعرفة حدود قدراتك وإمكاناتك؛ فإن دوام الحال من المحال.

13- إدمان سماع الإطراء من الآخرينExternal validation dependency

الحل: الشخص العاقل الرزين لا يستجدي الإطراء من الآخرين. فالعمل الصالح سيتحدث عنه العقلاء ولو بعد حين.

14 – إدمان العيش على ذكريات الماضي

الحل: ركز على الوقت الراهن أكثر واسعَ لصنع ماهو الأفضل في المستقبل؛ استحضار الماضي للعبرة وليس للتحسر والندم والاجترار للمشاكل والجلد للذات والتبرير للفشل.

شهر رمضان تقريبًا دورة سنوية عبادية متكاملة يدخل فيها الكثير من الناس وتعزيز الإرادة والتحكم بالرغبات وتهذيب النفس واللسان والجوارح، وتجنب الانسان التبلد وعدم المبالاة وغرس روح المداومة على تحصيل المعرفة والاعتماد على النفس والحزم والعزم وحفظ العهود ورد الجميل والاعتراف بالإحسان وأهله ومجالسة أهل القيم والشيم والتعلق بالله العلي القدير. هناك من يتخرج من تلكم الدورة بدرجة تفوق ويستفيد منها طوال حياته، وهناك من الناس من ينتكس وينقلب على عقبيه ولا ينمو نحو الأفضل.

عزيزي المستمع/ القارئ، ركز في رحلتك اليومية وكتابة قصة حياتك بصنع إنجازاتك بدل هدر الوقت في عقد المقارنات ونقد الآخرين حد نسيان عيوب النفس أو مشاهدة الهابط من الكلام والأفعال والمقاطع عبر التطبيقات والعالم الرقمي.

خاتمة

التركيز focus مفتاح الانضباط نحو النجاح، والنجاح يتمناه الجميع؛ إلا أن البعض فقط هو من يعمل لإنجازه. جودة حياتك تكون آفضل إذا كان تركيزك على حفظ وقتك وبذل طاقتك للارتقاء بنفسك وليس على لفت انتباه غيرك نحوك. شهر رمضان منطلق لاقتلاع عادات وسلوكيات سيئة لدى البعض وزرع وتنمية عادات وسلوكيات محمودة عند البعض الآخر. فلنقطف ثمار شهر البركة والرحمة قولًا وفعلًا، وليس أكلًا وهرجًا. وليسع كل منا لتعزيز الثقة بمن هم حوله والابتعاد عن لغة التهكم والطنز والتحريض والتهميش والمناكفة. فالمجتمع الجيد هو الذي ينتج أفرادًا جيدين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى