أقلام

هوس التصوير … حين تتحول اللحظات إلى إستعراض

حسين الحاجي

الميل كلمة بسيطة في معناها لكنها عميقة في أثرها فهو شعور داخلي يحرك الإنسان نحو ما يحب ويستمتع به ، فقد يميل إلى الطعام حين يشتاق إلى وجبة لذيذة أو إلى المال حين يسعى لجمعه أو إلى الراحة أو المنصب أو الشهرة أو الجاه ، إنها رغبة تقود الإنسان نحو ما يراه ممتعاً أو مغرياً وهذه الميول جزء من طبيعة البشر لكنها تحتاج دائماً إلى قدر من الوعي والإعتدال حتى لا تتحول من نعمة إلى نقمة .

من بين هذه الميول التي برزت بقوة في عصرنا الحاضر ميل جديد تسلل بهدوء إلى حياتنا ثم بات جزءاً من تفاصيل يومنا وهو الميل إلى التصوير ، فالجوال لم يعد مجرد وسيلة إتصال بل تحول إلى كاميرا ترافقنا في كل مكان وتلتقط كل لحظة حتى صارت بعض اللحظات تُعاش لأجل تصويرها أكثر مما تُعاش لأجل الإستمتاع بها ومع مرور الوقت أصبح كثير من الناس يشعر أن كل لحظة ينبغي أن تُصور وكل موقف يجب أن يُوثق .

في المناسبات الصغيرة والكبيرة ، العائلية والخاصة يتكرر المشهد ذاته ، كاميرات مرفوعة وعدسات تتحرك وأشخاص يتزاحمون بحثاً عن أفضل زاوية لإلتقاط صورة أو مقطع وكأن اللحظة لا تكتمل إلا إذا تحولت إلى صورة تُنشر أو مقطع يُعرض .

المؤلم أن هذا الميل لم يقف عند حد التوثيق الجميل بل تجاوزه أحياناً إلى حد الإسراف والعبث ومضيعة الوقت فبدلاً من أن يعيش الإنسان اللحظة والموقف بهدوء ويستمتع به ، ينشغل بالتصوير والمتابعة والنشر فيضيع عليه جزء من المعنى الحقيقي للمناسبة .

من المشاهد التي أثرت في نفسي كثيراً ما رأيته قبل أيام في مكة المكرمة ، فقد وفقني الله لأداء العمرة وبينما كنت أطوف وأسعى لفت إنتباهي منظر متكرر ، أكف كثيرة مرفوعة لكنها ليست مرفوعة بالدعاء بل بالجوالات ، كم تمنيت في تلك اللحظة أن تكون هذه الكفوف في هذه البقعة الطاهرة وبجوار الكعبة المشرفة وفي هذا الوقت الثمين الذي يحلم به ملايين المسلمين مرفوعة بالتضرع إلى الله ، تسأله الرحمة والمغفرة والقبول .

لا يقف الأمر عند هذا الحد ، فالتصوير يتحول أحياناً إلى إستعراض لا يخلو من ( الهياط ) وقد يخترق خصوصية الناس فيصبح عبئاً يسبب الحرج أو الزعل بل إن بعض الأشخاص تجاوزوا الحدود ودفعوا ثمناً باهظاً وتعرضوا للمسائلة وأحيلوا إلى الجهات المختصة بسبب ما نشروه وصوروه .

لهذا تبقى الحكمة في ضبط التصوير لا في تركه ، فليس كل ما يُرى يُصور وليس كل لحظة تحتاج عدسة فبعض اللحظات تزداد جمالاً حين تُحفظ في القلب لا في الكاميرا .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى