
بشائر: الدمام
تحوّلت التغطية المتواصلة للحروب عبر الشاشات إلى مصدر ضغط نفسي صامت داخل البيوت، بعدما انتقلت مشاهد العنف من ساحات القتال إلى غرف المعيشة، ما دفع خبراء الصحة النفسية للتحذير من “التصفح السلبي” والدعوة إلى تبني استراتيجيات حماية رقمية تحافظ على تماسك الأسر ونمو الأطفال السليم.
تحذّر تقارير نفسية حديثة من تحوّل التغطية المستمرة للنزاعات المسلحة إلى وباء صامت يهدد الاستقرار المنزلي، بعدما انتقلت الحروب من ساحات القتال إلى الشاشات داخل غرف المعيشة، ما يرفع مستويات التوتر ويؤثر في الكبار والأطفال على حد سواء.
“فرط المعلومات” والتصفح السلبي
ووفقاً لتقرير على موقع “Psychology Today”، لم تعد الحروب المعاصرة تقتصر على الجبهات العسكرية، بل انتقلت عبر البث المباشر إلى داخل البيوت. ويؤكد خبراء الصحة النفسية أن التغطية المتواصلة للنزاعات رفعت مستويات التوتر العالمي إلى حد حرج، إذ تصبح الحرب حية في وسائل الإعلام، فتبدو وكأنها على عتبة المنزل.
هذا القرب القسري من مشاهد العنف أسهم في انتشار مصطلح “التصفح السلبي” أو Doomscrolling؛ حيث يقع الأفراد في حلقة مفرغة من المتابعة القهرية للأخبار والصور، ما يزيد من مشاعر العجز والقلق. ويشير التقرير إلى أن الإفراط في استهلاك المحتوى الإخباري قد يتحول إلى دوامة نفسية غير مرغوب فيها يصعب الخروج منها دون وعي ذاتي وحدود واضحة.
أطفال تحت القصف النفسي
ولا تقتصر الأضرار على البالغين؛ إذ تمتد لتصيب الأطفال بصدمات نفسية تؤثر في نموهم العاطفي والمعرفي وتهدد إحساسهم بالأمان على المدى البعيد. وبحسب المعاهد الوطنية للصحة (NIH)، تظهر هذه المشكلة على شكل خوف زائد، وبكاء مفرط، وتعلّق شديد بالوالدين، إضافة إلى صعوبات في النوم والتركيز.
من جهتها، رصدت منظمة “قرى الأطفال SOS” أعراضاً جسدية مرتبطة بالقلق عند الأطفال، مثل الصداع المتكرر واضطرابات الهضم، مشيرة إلى أن العجز عن إيقاف مشاهد العنف المصورة يزيد من مشاعر القلق وفقدان الإحساس بالسيطرة، ما قد يهيئ لظهور اضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD) لدى بعضهم.
الاعتدال الرقمي للحماية
لحماية التوازن النفسي للأسر، يوصي الخبراء بتبنّي ما يُعرف بـ”الاعتدال الرقمي”، عبر مجموعة من الممارسات العملية، من أبرزها:
تقنين الاستهلاك: حصر متابعة الأخبار في أوقات محددة، والاكتفاء بمرة واحدة يومياً قدر الإمكان، مع تجنّب المشاهدة قبل النوم مباشرة للحد من الأرق والأحلام المزعجة.
الاعتماد على المصادر الموثوقة: اختيار منصات إخبارية جادة والابتعاد عن المحتوى التحريضي والعنيف على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة المقاطع الصادمة التي تُعاد مشاركتها بلا سياق.
الدعم الأسري للأطفال: تشدد لجنة الإنقاذ الدولية (IRC) على أهمية وجود شخص بالغ مستقر ومهتم يرافق الأطفال عند تعرضهم لمثل هذه الأخبار، لتبسيط ما يحدث وفق أعمارهم، وتصحيح المفاهيم الخاطئة، والمساهمة في طمأنتهم وحمايتهم نفسياً.
ويؤكد تقرير “Psychology Today” أن اختيار مسافة آمنة من الخبر لا يعني تجاهل الواقع أو اللامبالاة تجاه معاناة الآخرين، بل يُعد إجراءً وقائياً لحماية الأفراد، خصوصاً الفئات الأكثر هشاشة نفسياً، من الانهيار والإنهاك العاطفي الناجمين عن فرط التعرض لمشاهد الحروب والعنف.




