
أحمد العطافي
في كل موسم عيد تتجدد الفرحة وتعلو مظاهر البهجة، ويحرص الناس على إحياء العادات الجميلة التي ارتبطت بهذه المناسبة. ومن أبرزها توزيع “العيديات” على الأطفال والأقارب وهي عادة أصيلة تحمل في طياتها معاني الكرم والمحبة وصلة الرحم، ومع هذا الإقبال الكبير على النقود الجديدة ظهرت في الآونة الأخيرة ظاهرة مقلقة بدأت تنتشر بشكل لافت وهي استغلال حاجة الناس إلى “الصرف”مقابل نسبة مالية تصل أحيانا إلى 10%، في صورة لا تخلو من شبهة الربا أو الاستغلال.
فمع اقتراب أيام العيد يزداد الطلب على فئات الريالات والخمسات والعشرات الجديدة، ويجد البعض صعوبة في الحصول عليها من البنوك أو الصرافات إما بسبب الزحام أو محدودية الكميات المتوافرة. وهنا يظهر بعض الأشخاص الذين يستغلون هذا الاحتياج فيعرضون توفير النقود الجديدة مقابل عمولة، فيأخذون مثلًا 100 ريال ويعطونك 90 ريالًا من الفئات الصغيرة أو العكس بحجة “الخدمة” أو “التعب”بينما الحقيقة أن هذه الممارسة تفتح بابًا واسعًا للاستغلال المالي.
هذه الظاهرة تثير تساؤلات شرعية وأخلاقية، حيث يرى كثير من أهل العلم أن أخذ زيادة مقابل صرف نقد بنقد من الجنس نفسه يعد من الربا المحرم، حتى إن كان تحت مسمى “خدمة” أو “توفير” فالأصل في النقود إذا كانت من العملة نفسها أن تصرف بمثلها دون زيادة أو نقصان يدًا بيد، حفاظًا على العدالة ومنع أي شكل من أشكال أكل أموال الناس بالباطل.
ولا تقف المشكلة عند الجانب الشرعي فقط إنما تمتد إلى البعد الاجتماعي، فتتحول مناسبة العيد من فرصة لنشر الفرح إلى مجال للاستغلال ويصبح البعض ضحية لاضطراره، خصوصًا من لديهم عدد كبير من الأطفال أو من يحرصون على توزيع العيديات بشكل لائق.
ومع تكرار هذه الممارسات قد تتحول إلى “عرف” غير مقبول يضعف القيم التي يقوم عليها المجتمع. ومن هنا تبرز أهمية الوعي المجتمعي في الحد من هذه الظاهرة من خلال التثقيف بخطورتها، وبيان حكمها، وعدم الانجراف خلف من يروج لها.
كما أن للمؤسسات البنكية دورًا مهمًا في توفير كميات كافية من الفئات الصغيرة قبل العيد بوقت كاف وتنظيم عملية الصرف لتلبية احتياجات الناس دون عناء، ويمكن كذلك تشجيع المبادرات المجتمعية التي تقدم الصرف بشكل مجاني أو تطوعي تعزيزا لقيم التكافل والتعاون. وفي المقابل ينبغي على الأفراد التخطيط المسبق وعدم الانتظار حتى اللحظات الأخيرة مما يقلل من فرص الوقوع في مثل هذه الممارسات.
فالعيد ليس فقط مناسبة للفرح إنما هو اختبار لقيمنا وأخلاقنا في التعامل مع الآخرين. ختامًا تبقى العيديات رمزًا بسيطًا لفرحة كبيرة، فلا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة للكسب غير المشروع أو باب للاستغلال وبين الحاجة والحرص يبقى الالتزام بالقيم والضوابط هو الطريق الأجمل للاحتفال بعيد تسوده المحبة والبركة.




