أقلام

اربعة عشر شابًا رحلوا في طرفة عين

سعيد محمد حسن ال مبارك

لم يمرّ الموت هذه المرة كخبرٍ جديد، ولا كرقمٍ يُضاف إلى حصيلة يومٍ مثقلٍ بالأخبار. مرّ كغصّةٍ يصعب تفسيرها، وكأنه أراد أن يوقظ في داخل الإنسان شيئًا كان يعرفه دائمًا، ثم انشغل عنه. فكيف يمكن للإنسان أن يحزن على أناسٍ لم يعرفهم يومًا؟ ولماذا يحدث ذلك أصلًا؟ هل لأنهم اقتربوا من دائرته؟ أم لأنه أدرك، ولو للحظة، أنه ليس بعيدًا كما يظن؟ فالحياة تمتلئ كل يوم بقصص الفقد والألم. يموت أناس في أماكن مختلفة من العالم؛ بسبب مرض، أو كارثة، أو حرب، أو ظلم، أو وهم يسعون وراء أحلامهم أو لقمة عيشهم. ومع ذلك تستمر الحياة. إذا كانت الحياة تمتلئ كل يوم بقصص الفقد، فلماذا لا توقظ الإنسان جميعها؟ ولماذا ينتظر أن تقترب المأساة من دائرته حتى يرى ما كان واضحًا أمامه طوال الوقت؟ ربما لأن الألم لا يغيّر قيمة الإنسان الذي رحل، بل يغيّر درجة الشعور بالانتماء إليه. وربما لأن دوائر الانتماء، مثل الإنسان نفسه، قابلة لأن تتسع. في البداية، يبدو البيت مجرد الجدران التي نسكنها. ثم يتسع معناه، فيصبح مكان عمل يجمعنا، أو وطنًا يحتضن أبناءه كما تحتضن الأم أبناءها. لكن لعل النضج الحقيقي يبدأ عندما يتسع معنى البيت مرة أخرى. عندما تصبح الأرض هي البيت الأكبر، ويصبح البشر جميعًا، مهما اختلفت لغاتهم، وأديانهم، وألوانهم، وثقافاتهم، شركاء في هذا البيت، يتقاسمون سقفه، وضعفهم، وآمالهم، ومصيرهم. حينها، لا يعود الحزن على إنسانٍ مجهول أمرًا غريبًا. لأنه، في النهاية، ليس غريبًا تمامًا. في ذلك اليوم، لم يكن الوطن مجرد أرض فقدت عددًا من أبنائها. كان أشبه بأمٍ يعتصرها الفقد. ولم تكن الشركة (أرامكو) مجرد جهة عمل فقدت عددًا من موظفيها. كانت منزلًا عاد إليه عددٌ من المقاعد خاليًا، وعددٌ من الوجوه التي اعتادت أن تبدأ يومها معًا، لكنها لن تجتمع مرة أخرى. ولعل أكثر ما أيقظته هذه الفاجعة لم يكن التفكير في الموت. فالموت حقيقة يعرفها الجميع. بل التفكير في الحياة. في الذين ما زالوا حول الإنسان. في الذين يراهم كل يوم، حتى يصبح وجودهم جزءًا من اعتياده، فيؤجل كلمة شكر، أو اعتذارًا، أو إنصافًا، أو إحسانًا، لأنه يظن، دون أن يشعر، أن هناك دائمًا فرصة أخرى. لكن من الذي وعده بذلك؟ ربما لا تأتي المآسي لتعلّم الإنسان شيئًا جديدًا. وربما تأتي فقط لتوقظ ما كان يعرفه، ثم انشغل عنه. أن الإنسان أهم من خلافٍ عابر. وأن الكلمة الطيبة لا تستحق التأجيل. وأن الامتنان أجمل عندما يُقال في وقته. وأن العدل والإحسان لا ينبغي أن ينتظرا مناسبة، ولا أن يؤجَّلا إلى ما بعد الندم. وربما يبقى السؤال الأهم: هل يحتاج الإنسان فعلًا أن يقترب الموت منه حتى يشعر بوجعه؟ هل ينبغي أن يصبح الراحل من دائرته حتى يهتز لفقده؟ أليس كل البشر بشرًا؟ قد لا يتساوى الحزن، وهذا من طبيعة الإنسان. لكن قيمة الإنسان لا ينبغي أن تتغير باختلاف المسافة بينه وبين الآخرين. فكل راحل يترك وراءه أمًا مكسورة، أو أبًا مفجوعًا، أو شريك حياة ينتظر عودة لن تأتي، أو طفلًا سيكبر وهو يفتقد وجهًا كان يملأ عالمه. قد تختلف الأسماء. وقد تختلف اللغات. وقد تختلف الأوطان. لكن صور الفقد واحدة. والدموع واحدة. والقلوب واحدة. رحم الله من رحلوا. ولطّف بكل قلبٍ فقد عزيزًا. ولعل أجمل وفاءٍ للذين رحلوا، وللحياة التي ما زالت بين أيدينا، أن يعيش الإنسان بقدرٍ أكبر من الرحمة، والعدل، والإحسان، وأقل تأجيلًا لكل خير. فقد يأتي يوم يصبح فيه هو الخبر الذي يقرؤه الآخرون. فكلنا يوما ما راحلون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds