حوارية ( 54)

هل الإمام الحجة عليه السلام حين غاب عن الناس كان خائفا على حياته؟
السائل: يتداول كثيراً حول أسباب غياب الإمام المهدي عليه السلام وإنه كان خائفا على حياته. أليس في هذا القول تكذيباً للآيات والروايات التي تدل قطعياً على أنه وعد الله وبشارة الأنبياء!؟
وهل الإمام المهدي عليه السلام كان يجهل دوره وأنه الموعود والمستخلف في الأرض؟
الجواب: بسمه تعالى
مقدمة: قبل الدخول في جواب السؤال نحتاج أن نعرف الخوف، وهل هناك أقسام له؟
الخَوْفُ: انفعالٌ في النفس يَحدُثُ لتوقُّع ما يرد من المكروه أو يفوت من المحبوب (١).
نفهم من التعريف أن للخوف أقسام
1- خوف نتيجة توقع مكروه يحدث للإنسان ذاته مثل توقع هجوم أسد عليه.
2- خوف نتيجة أن يفوته أمر من المحبوب، مثل أن يطيع حبيبه خوف أن يفوّت اهتمامه وبعبارة أدق في إمام زماننا نقول خشية من الله سبحانه أن يفوّت تنفيذ إرادة الله في أرضه. نذكر هنا بعض الشواهد من القرآن لتقريب المعنى، ففي قصة نبي الله موسى عليه السلام تكرر مصطلح الخوف لنرى استعمالاته
قال تعالى { فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21)القصص
فلو راجعنا تفسير الميزان للطباطبائي
والبيان الطبرسي، فمعنى الخوف هنا هو أن لا يقوم بتكليفه الذي من أجله جُعل نبياً فإذا قُتل فوّت إقامة أمر الله ونهيه (٢)
وقوله تعالى { قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ (33)} القصص
فلو رجعنا إلى تفسير هذه الأية عند صاحب الميزان لوجدنا نفس الغرض من الخوف في الآية السابقة، فدعى الله سبحانه أن يؤيده في رسالته والقيام بمهمته، وطلب أن يكون معه هارون ليؤيده ويعينه في تبليغ الرسالة (٣).
اتضح من الآيات السابقة طبيعة الخوف عند نبي الله موسى عليه السلام، وأن خوفه لم يكن للحفاظ على نفسه بل الخوف من أن لا يقوم بالتكليف المُلقى عليه من قِبل الله فيفوّت الأمر المحبوب ممن كلفه بهذه المهمة.
كذلك هي سيرة بقية الأنبياء والصالحين، وهنا نأخذ أمثلة في عصر الإسلام ليتضح المراد بشكل أكثر وضوحاً.
صُلح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديبية، هل هناك عاقل سبر أغوار التاريخ يقول أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان خائفا من بطش قريش ولذلك قِبل بالصلح، أو أنه صالح لغرض أهم هو إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى ولو بعد حين وهو المتعيّن.
ولو قرأت سيرة أمير الموحدين عليه السلام الذي يشهد القاصي والداني بشجاعته في الحروب، وشدة وطأته وتنمره في ذات الله، فهل كان خائفا من أن يُقتل حين غُصبت الخلافة من بين يديه وجرى ما جرى على زوجته رمز العفة والطهر والنقاء سيدة نساء العالمين؟ أم صبر مُحتسباً وممتثلاً لوصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ والغرض حتماً من ذلك هو حفظ بيضة الإسلام وأهله.
كذلك الإمام الحسن الزكي في صلحه من معاوية، وهكذا سيرة الإئمة الأطهار كابرا عن كابر.
الأهم عندهم أن يكونوا أهلاً لتحمل مسؤلية الرسالة وأدائها بالشكل الذي أراده الله سبحانه وتعالى.
وحتماً بعد كل ذلك عرفت باليقين أن مولانا ومقتدنا وملاذنا صاحب العصر والزمان عليه السلام، منهجه وسيرته العطرة سيرة آبائه الطاهرين لأنهم نور واحدة.
فحين غاب عن أعين الناس لم يخف على نفسه طرفة عين بل هو امتثال لأوامر السماء، ولتنفيذ وعد الله سبحانه الذي من أجله خلق الله هذا الكون كله ليقم العدل والقسط، وليمثل جلال الله وجماله في ربوع الأرض.
فجميع النبوات كانت تمهد لهذه الدولة الموعودة بكل حقبها التاريخية، ولابد لها من ظهور في آخر الزمان. نسأل الله أن ندركها ونرى أسماء الله وصفاته متمثله في كل أرجاء الكون على يد قائم آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين. والحمد لله رب العالمين.
زاهر حسين العبدالله
20 / 8 / 1441 هجري
…………….
(1) كتاب المعاني
(2) تفسير الميزان – السيد الطباطبائي – ج ١٦ – الصفحة ٢٢، تفسير مجمع البيان – الشيخ الطبرسي – ج ٧ – الصفحة ٤٢٧
(3) تفسير الميزان – السيد الطباطبائي – ج ١٥ – الصفحة ٢٥٩