أقلام

إنها ليلة واحدة، لكنها قد تغير مصيرك، فهل ستكون من أهلها

أحمد الطويل

مقدمة:

في ظلام الليل وسكونه، حيث تتلألأ النجوم في السماء وتحتدم الأرواح بين الخشوع والدعاء، هناك ليلة ليست ككل الليالي. إنها ليلة القدر، الليلة التي تتوقف عندها عجلة الزمن ليمتد تأثيرها عبر الدهور والأزمان، ليلة قدّر الله فيها مصائر العباد، ليلة اختلط فيها الغيب بالقدر، وتنزل فيها الملائكة لتحمل الأوامر الإلهية. فما سرّ هذه الليلة؟ ولماذا أولاها القرآن كل هذا الاهتمام؟

ما هو معنى ليلة القدر؟

القدر في اللغة هو ما قدّره الله وأراده، وهو تقدير المصائر والمقادير بحكمة بالغة. وقد سُمّيت ليلة القدر بهذا الاسم لأن فيها تُحدَّد أقدار العباد للسنة القادمة، ويكتب فيها ما يكون من ولادة ورزق وموت وسعادة وشقاء. وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أن في هذه الليلة قدّرت ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وكأنّها ليلة مفصلية في التاريخ البشري.

نزول القرآن في ليلة القدر

في ليلة غارقة بالسكينة والجلال، اهتزّت السماء بأعظم حدث شهده الكون؛ إنه نزول القرآن الكريم، كلام الله الذي هزَّ أركان الجهل وأضاء درب الهداية. يقول الله تعالى في محكم كتابه: “إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ”. كما يؤكد في سورة الدخان: “إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ، فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ” (الدخان: 3-4)

في هذه الليلة، تغيّر مسار البشرية للأبد، إذ أُنزِل القرآن رحمةً وهدايةً، وأصبحت هذه الليلة خيرًا من ألف شهر.

ليلة الرحمة والمغفرة

هي ليلة لا يُرَدُّ فيها الدعاء، ليلة تفتح فيها أبواب السماء، وتنزل فيها الملائكة بأمر الله، يعرضون مقادير العباد على الإمام المعصوم عليه السلام في كل زمان. يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “شهر رمضان سيد الشهور، وليلة القدر سيدة الليالي”. وفي حديث آخر، يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدّم من ذنبه”.

إنها ليلة تمحو الخطايا، وتمنح الأرواح فرصةً جديدةً للنقاء، فهل هناك فرصة أعظم من ذلك؟

متى تكون ليلة القدر؟

لم يحدد القرآن الكريم تاريخها بدقة، ولكن الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام تشير إلى أنها إحدى ليالي العشر الأواخر من شهر رمضان، مع التركيز على ليالي 19 و21 و 23. ويرى الشيعة أن ليلة 23 هي الأرجح بناءً على وصايا الأئمة عليهم السلام.

مراسم إحياء ليلة القدر

إنها ليلة لا يُمكن أن تمرَّ دون أن يعيشها المؤمن بكل كيانه. يجتمع الناس في المساجد، يرفعون المصاحف فوق رؤوسهم، يبكون، يستغفرون، يتلون القرآن، يسجدون بخشوع، يدعون بما في قلوبهم من آمال وأحلام. ويزداد وقع هذه الليالي أهمية عند الشيعة، إذ تزامن جرح أمير المؤمنين عليه السلام في ليلة 19، واستشهاده في ليلة 21، مما أضفى عليها بعدًا مأساويًا وعاطفيًا.

تصف الروايات أن ليلة القدر ليست مجرد ليلة عبادة فقط، بل هي ليلة إدارة الكون بأمر الله، حيث تنزل الملائكة بقيادة الروح الأمين إلى الأرض. جاء في تفسير الإمام الباقر عليه السلام: “في هذه الليلة تطوف الملائكة حولنا، ونحن نشعر بوجودهم”.

بل إن الأئمة عليهم السلام يثبتون من خلال هذه الليلة مسألة الإمامة، إذ لا بدّ لكل زمان من إمام حيّ يُعرض عليه أمر العباد ليكون واسطة الفيض بين الأرض والسماء.

أيضاً، ورد في بعض الروايات أن فاطمة الزهراء عليها السلام هي سر ليلة القدر، وأن معرفتها تعني إدراك حقيقتها. يقول الإمام الصادق عليه السلام: “من عرف فاطمة فقد أدرك ليلة القدر”.

ختاماً:

ليلة القدر، هي ليلة لا تتكرر إلا مرة كل عام، لكنها تعادل عمرًا بأكمله. ما أعظم أن يستغلها الإنسان بالدعاء، بقراءة القرآن، بطلب المغفرة، بالإخلاص لله، بدموع ندم تسيل على الوجنات، بقلوب صافية تتضرع إلى الله أن يبدل أقدارها إلى الخير.

يا رب، إن كانت هذه ليلة القدر فاجعلنا من المرحومين، ولا تجعلنا من المحرومين. اغفر لنا ذنوبنا، واكتب لنا الخير فيما تبقى من أعمارنا، وارزقنا حسن العاقبة، يا أرحم الراحمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى