الشيخ جواد الدندن( شمعة العلم والتقى)

زاهر العبد الله
قال تعالى {.. إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ(28)}فاطر.
لحظات وفاء مع قامة علمية.. الشيخ في جانبه الإنساني والقيمي
تميّز سماحة الشيخ بخُلقه العالي وابتسامته الهادئة وسكون الجوارح. ألبسه الله هيبة العلماء وضياء العرفاء وحذاقة الحكماء.
رغم هذا الجلال والهيبة لا يجد الجالس عنده حواجز الرهبة ولا ضيق العبارة يستحثك على قول حاجتك من ظهور الاهتمام بك بنظراته الحانية كأنه أب يتلمس حاجة ابنه حتى يصل إلى أعماقها.
لا يخرج الإنسان من بين يديه إلا وتغذت روحه إيمانًا وعقله علمًا وقلبه حلمًا ووجدانه بصيرةً.
تواضعه الجم إلى درجة أنه يُشيّعك حتى خارج بيته ينظر إليك نظر صاحب الفضل عليه وليس العكس
تجده وقورًا بشره في وجهه شكورًا مشغولًا لسانه بذكر الله.
وقوفه بين يدي الله سبحانه وتعالى في الصلاة:
إذا بدأ بالإقامة ترتعد فرائص قلبك وتتهيأ رَوحك لساحة القدس الإلهي، فإذا كبر بصوته الرخيم دخل صوته أعماق قلبك، فإذا شرع في الصلاة في آيات القرآن الكريم تسير مع صوته وأنفاسه لرحلة العشق مع الحق سبحانه. حتى إذا انتهت صلاته بالتسليم كأنك أرسيت على ساحل عفو الله وكرمه ولطفه.
إذا تحدث أحدٌ أمامه بما يضيق به من خلافات في الساحة:*
تراه يصمت طويلًا لسماعك، ثم يقول لك بكلمات تذكرك بالحلم والأناة وحسن الظن والعذر لمن يستحق العذر ويريك عيبك بلطف المحادثة معه، فلا يجرحك بكلمة ولا بنظرة ولا إشارة حتى تخجل من نفسك كيف ذكرت هذا بمحضره الشريف.
إذا أثني على شخص أمامه من أهل الفضل تجده يتبسم تبسم الراضي ويؤيد بكلامه الراقي ويضيف ما يعرفه منه ويشير إلى ذوي الفضل في العلم إذا وجد أنه لا يغنيك بجوابه.
في حج بيت الله الحرام:
تراه يجسّد السالك العابد والمتهجد كثير السجود والدعاء والقيام والقعود يرتل القرآن الكريم، فإذا جن عليه الليل قام من فراشه وأسبغ وضوءه وتوجه لربه خاشعًا متذللًا من خشية الله وكأن النور يضيء من وجهه.
وفي استقباله لأسئلة الحجاج متروٍ وحليم ولا يتكلم إلا بعلم ووعي ويراعي فهم السائل وحاجته فيعطيه من مسألته ما يغنيه.
موقف عجيب:
حينما كنت جالسًا معه في بيته في الراشدية وقد أخبر بأن أحد أولاده
أصيب في جبهته ولا يوجد من يذهب بولده إلى المستشفى إلا هو
جاءنا في وقار والحياء يملأ وجهه منا وولده بين يديه ينزف من رأسه فارتاعت قلوبنا وهو شديد الاعتذار منا كي يذهب به إلى المستشفى، فلم أجد التوتر قد أضر بوقاره ولا هول المنظر أخل بتوازنه ولا نزف الدم قد غّير منطقه وكلامه عذرناه في خجل وخرجنا نعتذر له أن أشغلناه عن ولده.
أخيرًا جئته لكتابة مقدمة
كتابي المعنون (مقومات الشباب الإسلامي وفق منظور أهل البيت عليهم السلام)، وأول ما ذكرت أني أرغب بأن يُجمل كتابي بقلمه بمقدمة، فأخذني بتواضعه الجم وقال: أنا لست أهلًا، واذهب لمن هم أهلٌ للتقديم. فلم أقنع بجوابه وبدأت ألح عليه فوافق بكتابة مقدمة لكتابي المتواضع، فنثر فيه من عبق كلامه نصحًا وتوجيهًا وتربيةً لأمثالي ثم عقب بكلمات في الكتاب يراها محط اهتمام ونظر ثم ختم بدعاء وشكر.
فقد آلمنا فقده وانكسرت القلوب لفراقه ودمعت العيون حسرةً عليه فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
فرحمة الله عليك أيها العالم التقي الورع المخلص المتفاني في خدمة محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين.