
د. حجي الزويد
تُعدّ اللقاحات من أهم الإنجازات الطبية في تاريخ الصحة العامة، إذ أسهمت بشكل كبير في الحدّ من انتشار العديد من الأمراض المعدية التي كانت تشكّل خطرًا كبيرًا على حياة الإنسان، خصوصًا لدى الأطفال. وقد أدت برامج التطعيم المنتظمة إلى انخفاض معدلات الإصابة بأمراض خطيرة مثل شلل الأطفال والحصبة والكزاز، بل إن بعضها اختفى تقريبًا في كثير من دول العالم.
وتقوم فكرة اللقاحات على مبدأ تحفيز الجهاز المناعي في جسم الإنسان ليتعرّف إلى الجراثيم المسببة للأمراض ويكوّن ضدها أجسامًا مضادة قادرة على مقاومتها في حال التعرض لها مستقبلًا. وبذلك يصبح الجسم مستعدًا لمواجهة المرض قبل حدوثه، أو يخفف من شدته إذا وقع.
ولفهم موضوع اللقاحات بصورة أوضح، من المهم التعرّف على بعض المفاهيم الأساسية المرتبطة بها، مثل التمنيع، واللقاح، والتلقيح، إضافة إلى أنواع المناعة التي يكتسبها الجسم وطرق عمل جهاز المناعة بعد التطعيم.
ماذا تعرف عن اللقاحات؟
تقلل اللقاحات من مخاطر الإصابة بالأمراض من خلال العمل مع الدفاعات الطبيعية للجسم لبناء الحماية.
هناك ثلاثة مفاهيم ينبغي معرفتها: التمنيع، واللقاح، والتلقيح.
التمنيع (Immunization)
هو إجراء يثير الجهاز المناعي لدى الفرد تجاه مادة معينة، وذلك بإدخالها إلى الجسم بشكل يحرّض تكوين الأجسام المضادة «تمنيع فعّال»، أو بإدخال أجسام مضادة جاهزة صُنعت خارج الجسم «تمنيع سلبي أو مُفتعل».
وبعبارة أخرى، هو عملية إيجاد مناعة صناعية عن طريق إعطاء اللقاح أو الأجسام المضادة الجاهزة.
اللقاح (Vaccine)
هو منتج يحفّز الجهاز المناعي للفرد على إنتاج مناعة ضد مرض معين لحماية الشخص منه. فاللقاح مادة حيوية مناعية تُستخدم في التمنيع الفعّال بهدف إثارة استجابة مناعية في الجسم.
التلقيح أو التطعيم (Vaccination)
هو عملية إدخال اللقاح إلى الجسم لإنتاج مناعة ضد مرض معين.
أنواع التمنيع
ينقسم التمنيع إلى نوعين
التمنيع الفعّال (Active Immunity)
وهو المناعة المكتسبة الفعّالة، ويعني تحفيز الجسم لتكوين أجسام مضادة ضد بعض الفيروسات أو البكتيريا بعد مدة من تعرضه لها أو لسمومها. ومن أمثلة ذلك اللقاحات التي تُعطى للأطفال مثل لقاح شلل الأطفال، ولقاح الحصبة، ولقاح الكزاز، وكذلك لقاحات كوفيد-19 بأنواعها المختلفة.
التمنيع السلبي (Passive Immunity)
وهو المناعة المكتسبة المُفتعلة، ويتم فيه إدخال الأجسام المضادة الجاهزة إلى الجسم بحيث لا يكون للجسم دور في تكوينها.
ويُستخدم هذا النوع غالبًا في الحالات الطارئة، مثل حدوث جرح عميق ملوّث لدى شخص غير مُحصَّن ضد مرض الكزاز (Tetanus).
ويحتفظ الجسم بهذه المناعة لفترة قصيرة تتراوح بين أسابيع إلى عدة أشهر.
المصل
يُعطى المصل بشكل عاجل لإكساب الجسم مناعة سريعة، حيث تُحقن الأجسام المضادة الجاهزة في الجسم لمساعدته على التغلب على المرض الحالي الذي تعرّض له. وذلك لأن تكوين المناعة عن طريق اللقاح يحتاج إلى وقت، لذلك تُعطى الأجسام المضادة الجاهزة التي سبق تحضيرها في المختبر.
وبما أن عمر هذه الأجسام المضادة قصير مقارنة بالأجسام المضادة الناتجة عن اللقاح، فإن الشخص قد يُعطى اللقاح الخاص في الوقت نفسه في بعض الحالات، كما في حالات الإصابة بالكزاز الناتج عن الجروح الملوثة بميكروبات التيتانوس، وذلك لإيجاد مناعة نشطة طويلة الأمد تستمر لعدة سنوات.
ما هي التطعيمات؟
التطعيمات هي لقاحات تحتوي على بكتيريا أو فيروسات ميتة أو مضعّفة أو سمومها، تُعطى للطفل أو البالغ لتحفيز جهاز المناعة في الجسم على تكوين أجسام مضادة ضد هذا الكائن الغريب، وبذلك يستطيع الجسم مهاجمته قبل أن يسبب المرض مما يمنع حدوث العدوى.
تؤخذ الجراثيم «البكتيريا أو الفيروسات» وتُعالَج في المختبرات بطرق معينة لتصبح غير مضرّة بالإنسان. وعند إعطاء التطعيم يقوم الجسم بإنتاج أجسام مضادة خاصة ضدها.
وعند إعطاء الجرعات المنشطة تزداد هذه الأجسام المضادة وتقوى المناعة. ولكل مرض لقاح خاص به يُعطى في عمر معين أو في ظروف معينة، وقد يحتاج إلى جرعات منشطة.
عند تعرض الجسم لميكروب ما لأول مرة تقوم خلايا المناعة، وخاصة الخلايا الليمفاوية، بالتعرف على خصائص هذا الميكروب، ثم تبدأ بإنتاج الأجسام المضادة المناسبة له.
كما تتكون خلايا الذاكرة المناعية التي تحتفظ بمعلومات عن هذا الميكروب، وعند تعرض الجسم له مرة أخرى تقوم هذه الخلايا بإنتاج الأجسام المضادة بسرعة وبكميات كبيرة، مما يؤدي إلى القضاء على الميكروب قبل ظهور المرض أو يجعل الأعراض خفيفة.
هناك تطعيمات أساسية يجب أن تعطى لكل الأطفال، وهناك بعض الحالات الخاصة التي تحتاج إلى تطعيمات إضافية يحددها الطبيب، مثل مرضى الداء المنجلي، أو في ظروف خاصة كالوقاية من كوفيد-19.
يعمل اللقاح على تحفيز وتنشيط الجهاز المناعي في الجسم، ويعد داعمًا لجهاز المناعة الطبيعي لدى الإنسان، ويتمثل دوره في تهيئة الجسم لمحاربة الأمراض التي لم يسبق له الإصابة بها.
إن تكوين الأجسام المضادة من خلال التطعيم يؤدي إلى حماية الجسم من الإصابة بتلك الأمراض أو إلى تخفيف حدتها إذا تعرض لها الإنسان مستقبلاً.
كل نوع من اللقاح يعطي مناعة خاصة ضد ميكروب معين، فالمناعة هنا محددة وموجهة ضد ميكروب بعينه.
وقد يستلزم الأمر أحيانًا إعطاء اللقاح أكثر من مرة لتحفيز المناعة وتنشيطها، وهو ما يعرف بالجرعات المنشطة.
إن الهدف من إعطاء اللقاح هو إيجاد مناعة في الجسم تمكنه من التغلب على المرض إذا تعرض له مستقبلاً، ويتطلب تكوين هذه المناعة بعض الوقت.
إن بعض التطعيمات قد تستمر فعاليتها مدى الحياة، وبعضها يستمر لعدة سنوات.
أنواع اللقاحات
اللقاحات الخاصة
هي لقاحات تُعطى في ظروف خاصة، مثل اللقاحات الموسمية كالتلقيح ضد الالتهاب السحائي (Meningococcal vaccine) خلال مواسم الحج والعمرة، أو عند انتشار مرض بين فئة كبيرة من المجتمع مثل مرض كوفيد-19.
كما تعطى بعض اللقاحات لفئات معينة مثل إعطاء لقاح المكورات الرئوية (Pneumococcal vaccine) لمرضى الداء المنجلي أو المصابين بمتلازمة الكلى النفروتية، وإعطاء لقاح الإنفلونزا لمن لديهم أمراض رئوية مزمنة أو عيوب خلقية في القلب أو انخفاض في المناعة، وكذلك التلقيح ضد التهاب الكبد الوبائي (أ).
اللقاحات العامة
وهي اللقاحات التي تعطى للأطفال لتحصينهم ضد الإصابة بأمراض معينة مثل شلل الأطفال والثلاثي والحصبة والدرن.
ويبدأ إعطاء التطعيمات للأطفال منذ الأسبوع الأول بعد الولادة، وتستمر حتى عمر سنة ونصف إلى سنتين، ثم تُعطى جرعة منشطة قبل دخول المدرسة.
ولضمان فعالية التطعيمات ينبغي الالتزام بجدول التطعيمات وعدم تأخيرها عن موعدها المحدد.
مفاهيم خاطئة حول موانع التلقيح
توجد بعض المفاهيم الخاطئة حول موانع التلقيح، ومنها تأخير إعطاء اللقاح إذا كان الشخص مصابًا بمرض خفيف مع أو بدون حمى منخفضة الدرجة، أو إذا كان يتناول مضادات حيوية، أو إذا كان في مرحلة نقاهة من المرض.
كما أن حدوث تفاعل موضعي خفيف إلى متوسط مثل الألم أو الاحمرار أو التورم بعد جرعة من اللقاح، أو حدوث حمى منخفضة بعد جرعة سابقة، لا يُعد مانعًا من التطعيم.
كذلك فإن الحساسية من منتجات غير موجودة في اللقاح مثل البنسلين، أو الحساسية غير التأقية مثل حساسية التلامس تجاه اللاتكس، لا تمنع إعطاء اللقاح.
وهناك موانع وهمية لا تمنع إعطاء اللقاح مثل الرضاعة الطبيعية للطفل أو للأم المرضعة، باستثناء لقاح الحمى الصفراء كإجراء احترازي، أو وجود تاريخ عائلي لآثار جانبية بعد التطعيم، أو الربو التحسسي، أو الصفراء الفسيولوجية عند الأطفال.
كما أن إصابة أحد أفراد العائلة بتشنج بعد التطعيم لا يمنع إعطاء اللقاح لبقية أفراد العائلة.
الموانع الحقيقية للتطعيم
هناك بعض الحالات التي قد تؤجل أو تمنع إعطاء اللقاح مثل ارتفاع شديد في درجة الحرارة، أو إعطاء اللقاحات الحية مثل لقاح الحصبة للمرأة الحامل.
هل للتطعيمات أضرار؟
إن أضرار التطعيمات بسيطة جدًا مقارنة بالفوائد التي تتحقق منها. فالمخاطر الناتجة عن عدم أخذ التطعيمات غالبًا أخطر بكثير من الآثار الجانبية المحتملة، إذ يصبح الطفل عرضة لأمراض خطيرة مثل شلل الأطفال والحصبة وما قد يصاحبها من مضاعفات قد تصل إلى الإعاقة الدائمة.
الآثار الجانبية للتطعيمات
ارتفاع بسيط في درجة الحرارة.
طفح جلدي خفيف.
ألم أو تورم في موضع الحقن.
ظهور قيح بسيط بعد تطعيم الدرن قد يستمر عدة أسابيع.
بكاء الطفل لفترة قصيرة بعد التطعيم
آثار جانبية تستدعي استشارة الطبيب
ارتفاع شديد ومستمر في درجة الحرارة أو حدوث اختلاجات.
بكاء شديد يستمر لعدة ساعات.
وغالبًا ما تكون هذه الأعراض مؤقتة وتختفي بعد فترة قصيرة، ولا داعي للقلق منها. وفي حال ارتفاع الحرارة أو وجود ألم يمكن إعطاء دواء خافض للحرارة أو مسكن للألم وفق إرشادات الطبيب.




