أقلام

حين تتحول العبادة إلى طريقٍ لا يخرجك من نفسك

أحمد الطويل

تنويه:

هذه المقالة هي الثانية ضمن سلسلة تأملات في كتاب حكمة العبادات للعلامة الشيخ عبد الله الجوادي الآملي، تحت عنوان: “تأملات في حكمة العبادات”. وقد حملت المقالة الأولى عنوان: “حين تفضحك العبادة ويتساقط وهم الاستحقاق”.

مقدمة:

حين لا يكون الضلال في الوقوف، بل في السير الطويل داخل دائرة مغلقة.

ليست المشكلة أن تسير، بل أن تكتشف متأخرًا أنك كنت تدور طوال الوقت حول نفسك دون أن تغادرها. فبعض الحركات لا تُخرجك من مكانك، بل تُقنعك فقط أنك ابتعدت عنه. ومع الزمن يتحول التكرار إلى وهمٍ خطير: أنك تتقدم، بينما أنت تعيد إنتاج النقطة نفسها بصيغ مختلفة.

وهنا تتغير طبيعة السؤال الذي يطرحه حكمة العبادات: العبادة ليست فعلًا يُضاف إلى الحياة، بل مسارًا يُفترض أن يكسر هذه الدائرة الداخلية ويعيد توجيه الإنسان من الداخل قبل الخارج. لكن المفارقة أن هذا المسار نفسه قد يتحول، إن غاب وعيه، إلى جزء من الدائرة لا خروجًا منها.

وربما لا تكون المشكلة أنك لا تسير، بل أنك لم تسأل يومًا: إلى أين تأخذك هذه الحركة أصلًا؟

حين لا يكون الفعل خروجًا بل إعادة إنتاج

قد تمتلئ حياة الإنسان بالفعل، ولكن دون أن يغادر نفسه خطوة واحدة. فالعمل حين يفقد أثره التحويلي يتحول من عبور إلى عادة، ومن عادة إلى حركة دائرية مغلقة لا يشعر بها صاحبها.

وهنا يصبح الخطر ليس في غياب الفعل، بل في حضوره بلا أثر. يمكن للإنسان أن يكون نشيطًا جدًا، لكنه لم يتحرك في داخله قيد أنملة.

وفي هذا المعنى يكشف القرآن هذا الوهم بوضوح صادم: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (سورة الكهف: 104).

فليست المشكلة في غياب السعي، بل في أن يكون السعي نفسه جزءًا من الضلال دون أن يشعر صاحبه.

ولهذا يتشكل السؤال الحقيقي: هل ما نفعله يفتح لنا طريقًا، أم يعيدنا إلى أنفسنا بشكلٍ أكثر إحكامًا بحيث نصبح أقل قدرة على الخروج منها؟

العبادة كتحويل اتجاه لا كثافة حركة

العبادة في عمقها ليست زيادة في الأفعال، بل انقلاب في الاتجاه. فقد يتشابه الفعلان في الظاهر، لكن أحدهما يخرج الإنسان من مركزه الداخلي، والآخر يعيده إليه.

ولهذا لا تُقاس العبادة بكثافتها، بل بقدرتها على كسر مركزية الذات.

وفي هذا السياق تتضح إشارة القرآن حين يصف مسار الهداية: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ • مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾ (سورة النجم: 1–2).

فالهداية هنا ليست مجرد حركة، بل ثبات في الاتجاه الداخلي؛ لا انقسام فيه ولا ارتداد.

اليقين: توقف التمزق الداخلي

التردد ليس نقصًا في المعلومات، بل انقسام داخلي يجعل الإنسان غير قادر على الاستقرار في جهة واحدة.

ومن هنا لا يكون اليقين فكرة، بل حالة وحدة داخلية تُنهي هذا التشظي.

وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام:

“ما من شيء أعز من اليقين” (الكافي، ج2).

لأن اليقين ليس أن ترى أكثر، بل أن تنقسم أقل.

وعندما ينتهي هذا التمزق، تبدأ الحركة الحقيقية لأول مرة، لا بوصفها انتقالًا، بل بوصفها خروجًا.

ولهذا، فاليقين لا يمنحك طريقًا فقط، بل يكشف لك كم مرة كنت تمشي بلا طريق وأنت تظن أنك على هدى.

السكينة: حين يصبح الطريق مرئيًا لأول مرة

السكينة ليست وصولًا، بل رفع الضجيج الداخلي الذي يمنع رؤية الاتجاه.

وهنا تصبح الحركة ممكنة، لا لأنها سهلة، بل لأنها لم تعد صراعًا داخليًا بين اتجاهات متناقضة.

وفي هذا المعنى يتجلى قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الفتح: 4).

فالسكينة ليست نهاية الطريق، بل أول لحظة يُرى فيها الطريق كما هو، لا كما يتوهمه الإنسان.

وربما لهذا لا تُعطى السكينة لكل أحد، لأن من لم يحتمل وضوح الطريق، سيعود إلى ضجيجه الأول هاربًا.

حين يصبح الضياع حالة لا حركة

القرآن لا يصف الضياع كفعل فقط، بل كحالة وجودية مغلقة: ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ (سورة التوبة: 45).

هذا ليس ضياع طريق، بل ضياع بوصلة.

ومن يعيش هذا التردد لا يفقد الطريق فقط، بل يفقد القدرة على إدراك أن هناك طريقًا أصلًا.

وهنا يتحول التيه من مشكلة يمكن حلها، إلى حالة يعيشها الإنسان دون أن يشعر أنها المشكلة.

وقد لا يكون أخطر ما في هذا التيه أنك ضائع، بل أنك لا تشعر أنك ضائع أصلًا.

الخلاصة:

حين لا يعود السؤال عن الطريق، بل عن الخروج منه أصلًا.

قد لا تكون عبادتك طريقًا، بل الدليل الصامت على أنك لم تغادر نفسك بعد.

ليست العبادة ما يمنحك الطمأنينة، بل ما يزعزع طمأنينتك إلى نفسك.

فقد يتحرك الإنسان كثيرًا، لكنه لم يغادر ذاته. وقد يظن أنه يسير، بينما هو يعيد تدوير موقعه الداخلي داخل دائرة أكثر تعقيدًا من قبل.

لكن السؤال الذي يبقى بعد كل هذا ليس: أين الطريق؟

بل: هل خرجت أصلًا لتراه؟

وهل العبادة طريق إلى الله، أم مرآة تكشف أنك لم تغادر نفسك بعد لتبدأ السير أصلًا؟

وهنا لا يعود الخطر أن تضل، بل أن تعيش مطمئنًا أنك على الطريق، بينما لم تبدأ السير أصلًا.

وفي المقالة القادمة، لن يكون السؤال عن الحركة، بل عن الارتقاء: كيف تتحول العبادة من مجرد مسار إلى ترقٍ وجودي يعيد تشكيل الإنسان من الداخل، ويفتح له أفقًا لم يكن يُدركه وهو داخل دائرته الأولى.

اللهم لا تجعل عبادتنا حركة بلا بصيرة، ولا سيرًا بلا خروج، ولا وهمًا نُسميه طريقًا، واهدنا من التكرار إلى العبور، ومن العادة إلى الحقيقة، ومن الدوران إلى الوصول إليك بقلوبٍ حاضرة لا غافلة.

المصادر:

المصادر:

القرآن الكريم: سورة الكهف (104)، سورة النجم (1–2)، سورة الفتح (4)، سورة التوبة (45).

حكمة العبادات – الشيخ عبد الله الجوادي الآملي.

الكافي، ج2 – باب اليقين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى