أقلام

مجرة إبداع تدور في فلك التوحد بواثق

رباب حسين النمر

كثيرة هي الأمسيات الشعرية التي أمتن لها بالحضور والمتابعة، ولكن قليل منها الاستثنائي والضخم بالأثر العميق الذي يتركه في النفس، وبالطرح الإنساني المتكيء على المشاعر في أضعف حالاتها وأكثرها انكسارًا وتفاعلًا.

كانت ليلة استثنائية، تعانق فيها رقي الكلمة بسمو الإنسانية، وترافقت فيها القوافي مع أسمى المعاني، وحلق فيها الشعراء والأطباء عبر فضاء (واثق) في استقبال أشبه ما يكون بالعرس الموسمي المميز، حيث جمال الاستقبال وأناقة الترتيب، ومكان يضج بالجمال والذوق الراقي في أدق تفاصيله ابتداء بعتبة الدخول وليس انتهاء بالمنصة. كانت (أمسية واثق الشعرية) شهرزاد التي تحكي شعرًا ولم تتوقف عن الكلام المباح حين طلع الصباح، بل شمرت عن ذراعيها وبدأت رحلة عطاء جديدة، حيث الأبوة اكتسحت جو الأمسية في أقوى معانيها، وفي حالات أحوج ما يكون فيها ( الضنا) لمساندة قلب أب وذراعه وإحساسة، مشاعر طغت على الشعراء جعلت الحاضرين أجمع يتحولون إلى آباء من الرأفة والحنان واندلاق المشاعر وهم يتابعون تفاصيل الحدث مساء الأربعاء المنصرم في أمسية شعرية بمركز واثق لذوي الاحتياجات الخاصة بالمبرز، الأحساء بحضور نخبة من الأدباء والمهتمين، وتجارب تفاعلية قدمها المركز أثناء الجولة.

اتسمت تلك الأمسية بالإنسانية حيث دارت في فلك الأبناء من ذوي الاحتياجات الخاصة، وما يتصل بهم من مشاعر إنسانية، وتجارب، ومعاناة، ورحلات علاج ومعاناة طويلة، وإصرار في حفر قصة الحياة حتى تكون بصمة مميزة، وإحراز منجزات قد تتفوق على منجزات الآخر الصحيح. شارك في هذه التظاهرة الشعرية الإنسانية كواكب ثمانية من نخب الشعراء يحلقون شعرًا في مدارات الإبداع، وهم شاعر الأحساء ومبدعها جاسم الصحيح، وشاعر الينابيع الهجرية ناجي الحرز، والسيد هاشم الشخص، والشعراء تهاني الصبيح، وناصر المطاوعة، وجابر الجميعة، ود. طاهر البحراني. وكأنما كانت هناك أرواح صغيرة بحجمها كبيرة بمعانيها كانت تحلق وتصفق أثناء إلقاء المقطوعات الشعرية، فكانت إيمان، ونور، وحسون، وعلي، وهشام.

بدأ الخطاب عريف الحفل الشاعر صادق السماعيل الذي قدم قارئ القرآن ياسر المطاوعة وهو أحد رعايا التوحد بمركز واثق، وفي كلمة افتتاحية قدمها المستشار طالب المطاوعة مرحبًا بالشعراء ومهيبًا بأطفال التوحد، ومشيرًا إلى معاناة آبائهم بقوله:” إِإِإِيهْ يَا وَلَدِي، آآآه لَوْ تَعْلَمُ الإِإِإِيهْ مَا فِيهَا مِنْ كَبَدِي.

أَحِبَّتِي، لَوْ عَلِمْنَا مَا فِي قُلُوبِ آبَاءِ وَأُمَّهَاتِ أَطْفَالِ التَّوَحُّدِ مِنْ أَلَمٍ وَمُعَانَاةٍ وَحَيرَةٍ، لَوَقَفْنَا كَوُقُوفِ الْحَاجِّ فِي عَرَفَةَ، دَاعِينَ اللَّهَ مُتَضَرِّعِينَ، وَبِذِكْرهِ لَاهِجِينَ، أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ الضُّرَّ، وَيَكْشِفَ ما بِهمُ من بَلَاءَ. غَيْرَ أَنَّ مَا يُخَفِّفُ عَنْهُمُ الْعَنَاءَ، أَنَّهُمْ بَاتُوا يَنْظُرُونَ إِلَى مَا أَصَابَهُمْ عَلَى أَنَّهُ بَابٌ لِلتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ، وَنِعْمَةٌ فِي ثَوْبِ ابْتِلَاءٍ”.

وأضاف ممهدًا: “أَيُّهَا الأَحِبَّةُ، مَرْكَزُ وَاثِقٍ فِي هَذِهِ الأَمْسِيَّةِ، يَبْسُطُ تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ بِسَاطًا مِنَ الأَلْوَانِ:

أَحْمَرُ، وَأَزْرَقُ، وَبَنَفْسَجِي، لِتَصْعَدُوا إِلَى خَشَبَةِ الْمَسْرَحِ عَلَى أَكُفِّ الرَّاحَةِ، فَنَرْتَشِفَ مِنْ عَذْبِ حُرُوفِكُمْ، وَنَنْهَلَ مِنْ جَمَالِ ذَائِقَتِكُمْ، مَا يَمْلَأُ قُلُوبَنَا أُنْسًا وَسَعَادَةً.

كَمَا يُسْعَدُنَا أَنْ نَحْتَفِيَ وَنَغْتَنِيَ مِنْ شَاعِرِنَا وَدُكْتُورِنَا الْكَبِيرِ، الدُكْتُور طَاهِرِ الْبَحْرَانِيِّ، دِيوَانَهُ (عُيُونٌ وَشُجُونٌ) الْمَمْهُورَ بِخَطِّ يَدِهِ الْكَرِيمَةِ.

وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ جَمِيعَاً وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ”. أول الصاعدين على منصة الشعر كان شاعر الينابيع الهجرية ناجي الحرز منشدًا قصيدته (إيمان) المولودة التي فقدها، وهي الأنثى بعد خمسة ذكور. ولدت(إيمان) بإعاقة لم تمهلها حتى المكوث في مستشفى النساء والولادة، فكتب الحرز قصيدة استوقفت معالي الدكتور غازي القصيبي رحمه الله في قراءته لديوان نشيد ونشيج، كما استوقفت الشاعر جاسم الصحيح.

كان اسمك في قلبي إيمان

يا نجمًا أسرع في الدوران

يا أملًا عطِرًا ورديًّا

يا حلمًا وارته الأكفان

كنت سأرسمه بالألوان

إكليلًا تحسده التيجان

كنت سأمزج كل الألوان

إلا الأسود، ما للأفراح وللأسود؟

في يوم الإشراق الأول

الحلم الورديُّ تبدّل

أحضرت اللوحة والريشة

هربت من ذاكرتي الألوان

وتلاشت في بحر الأحزان

إلا الأسود،

الأسود يحتل الصورة

يحصد آمالي المبهورة

تتساقط، تتهاوى، تهوي

أعلام الفرح المكسورة. أما حسون الشخص ، فقد استدعى قامتين شعريتين للوقوف على عتبة المنصة في واثق، الأول الشاعر جاسم الصحيح الذي ألقى قصيدته (حسون علمني القراءة)، وهي تجسد حالة ترفض أن تكون رقمًا في سجل المرض ومؤشرات الأداء. حسون علمني القراءة، وقال الصحيح عن حسون وعن سواه من أطفال التوحد: “حسون هذا هو ابن السيد هاشم الشخص وهو أحد أطفال التوحد، أو لنقل أحد الموهوبين بالتوحد، ولكن عندما أوجه الكلام إلى حسون فإنني أوجهه إلى ياسر أيضًا وإلى جميع هؤلاء الأطفال الذين من الله عليهم بالصحة والعافية” حسون مخلوق من الإحساسِ لا يستطيع قراءة القرطاسِ لكنه من فرط ما هو مرهفٌ تلقاه يقرأ نغمة الأنفاسِ تلقاه يقرأ كل ما هو ساكن في العمقِ من أرواحِ كل الناسِ تلقاه يقرأ في العيون شعاعها ومن الصدور سرائر الأقداسِ تلقاه يقرأ في الضمائر حالها فيحب يفرح، يشتكي ويواسي حسون علمني القراءة حرة إني حبيس قراءة الكراسِ هبني عن الحس المعمق منهجًا يكفي وفصلًا في النقاء دراسي وتعال نبحر حيث لاتُك أبحرت في الطهر دون سفينة ومراسي يا عاكفًا في معبدٍ من صرحِهِ متوحدًا بمشاعرٍ وحواسي خذني لعالمك الطهور فإنني متبرمٌ من عالم الأرجاسِ وأنا كذلك لم أزل متوحدًا بالخلق عبر محبةٍ ومآسي لا شاعرٌ إلا مريض توحدٍ حيث التوحد منبع الإحساسِ والقامة الأخرى هي والده السيد هاشم الشخص الذي تغنى بحسون: “قالوا فُتنت أجبت العذل يؤذيني ما أوجع النصح في صب ومفتونِ. حسين شقيق الروح لو عدلوا وما فؤادي سوى نبض بحسوني رفقًا بقلب تغنى باسم عاشقه عذرًا لقيسٍ فما قيس بمجنونِ، لله حسون كقرص البدر طلعته بل ضحكة الشمس في أغصان زيتون، يا باعث الدفء في نفسي وأوردتي ومسرج النور في مصباح كانون. من ينشر السعد إن سمارنا حضروا من يؤنس القلب في كل الأحايين؟ ورابع شاعر هو أحمد الحسين الذي كتب نصّا متفاعلًا مع المقطع الذي انتشر في وسائل التواصل الاجتماعي للسيدة نور حفيدة السيد هاشم الشخص، وكانت بعنوان ​[ السيدة نور الشخص-ولادة العزائم]، فقال:

​أَ بِالكَفَّيْنِ رَجْفٌ وَارْتِعَاشَةْ؟!

أَمِ الهِمَّاتُ تَرْتَشِفُ انْتِعَاشَةْ؟!

​وَفِي الأَقْدَامِ ثِقْلٌ أَمْ تُرَاهَا

حُشُودُ البَأْسِ تَسْأَلُهَا إِعَاشَةْ؟!

​وَفِي الجَنْبَيْنِ دَفْقٌ مِنْ دِمَاءٍ؟!

أَمِ الإِصْرَارُ طُوفَانُ الحَشَاشَةْ؟!

​تَقَحَّمَتِ العِقَابَ وَقَدْ طَوَتْهَا

وَمَا بِالعَظْمِ وَهْنٌ أَوْ هَشَاشَةْ

​أَنَامِلُهَا الرَّقِيقَةُ زَلْزَلَاتٌ

شَدِيدُ العَزْمِ تَغْزِلُهُ قُمَاشَةْ

​خُيُوطًا مِنْ أَقَاصِي النَّجْمِ سَلَّتْ

تُطَرِّزُهَا “زَرِيًّا” فِي رِيَاشَةْ

​تُزَرْكِشُ لِلْمَطَامِحِ بِشْتَ هَجْرٍ

وَتُلْبِسُهَا المَهَابَةَ وَالبَشَاشَةْ

​لِهَاشِمَ أَشْرَقَتْ “نُورُ” المَعَالِي

وَصَدْرُ الكَوْنِ يَشْهَقُ فِي انْدِهَاشَةْ

​وَمِخْيَالُ العَجَائِبِ فِي ذُهُولٍ

وَبَعْدَ الزَّهْوِ تُنْزِلُهُ انْكِمَاشَةْ

​تَصَاغَرَ لِلْحَقِيقَةِ يَجْتَلِيهَا

وَأَثْنَى رُكْبَةً وَبَدَا نِقَاشَه

​وَتُعْجِزُهُ العَجَائِبُ فِي فَتَاةٍ

بِحَقٍّ أَبْطَلَتْ أَسْحَارَ شَاشَة

​تَهُزُّ الأُفْقَ بِالأَمْجَادِ تَسْعَى

وَفِي البُسْتَانِ لَيْسَ سِوَى الفَرَاشَةْ

​”بِلَالُ الجِدِّ” أَذَّنَ أَنْ أَفِيقُوا

فَبَعْدَ “النُّورِ” مَنْ يَرْضَى فِرَاشَهْ؟! الكوكب الخامس الذي ارتقى المنصة كان يخص الشاعرة تهاني الصبيح في قصيدة بعنوان (لم تنقضْ غَزْلها)

يقُولونَ في عيْنيْكَ تَسْرَحُ أنجمُ

وتَهْدأُ أقْمَارٌ،

ويُولعُ مُغْرَمُ ..

يَقُولونَ في عَيْنَيْكَ أَلْفُ حِكَايَةٍ

عن الحُبِّ لمّا في مداركَ هوَّموا

تمرّ بكَ الصَّحْرا ورملُكَ مُثْقَلٌ

بأوْجاعِهِ كَيْ تسْتفيضَكَ زمزَمُ

وتستنطِقُ الأَنْهَارَ شُطْآَنَكَ الّتي

تُوَاعِدُهَا سِرًّا،

ولا تَتَكَلَّمُ ..

فمنْ أنت

يَا سِرَّ الحَياةِ إذا ارتوى

رَبيعٌ على كفّيكَ واخضرّ مَوْسِمُ ؟؟

ومَنْ أنتَ يَا غُصْنَ الطَّبيعَةِ

حِينَمَا

تدورُ على الأَيدي ..

فيورقُ مِعْصَمُ؟؟

أَتَيْتُكَ من كُلِّ الجِهَاتِ يَحُدُّني

ضَجيجُ انْفلاتٍ كلّمَا كنتُ أُحْجِمُ

سَأَلْتُكَ:

فِي أيِّ المَمَرّاتِ نلْتَقي؟

وأدْرَكتُ بالتَّلْويحِ أَنَّكَ

(أَبْكَمُ)!!

سألتُكَ عن معْنى المسافات بينَنَا

إذا ضَاقتْ الألفاظُ واخْتلّ مُعجَمُ

وجئتكَ عرَّافًا تُفسّرُ في يدي

تفاصيلَ ما أخفي وكَفِّيَ تُلْهِمُ

أنَا دُمْيَةٌ منْ مسْرَحِ العُمْرِ لمْ يَزَلْ

يُحَرِّكُهَا صوتٌ ويَجْرِي بِهَا دَمُ

أنَا قَبْضَةُ الطِّينِ التي منكَ حُرِّرَتْ

ومَازالَ قلْبي بانْكِفائِهِ يَحْلُمُ

فكيف تهزُّ الشَّوقَ أوْتارُ كِلمةً

فأرهِفُ سَمْعي مُدَّةً ، أتبسم

وكيفَ تذوبُ الريح في رئتي التي

تُغَلِّقُ أَنْفاسي عليْكَ فأكتمُ

تمنّيْتُ ، لكنْ لمْ أجدْ فيكَ حينها

سِوَى نظْرِةٍ بين الضلوع تترجم

فآمنتُ أن الشوق يكبُرُ كلما

تسامى ، ولم يمتدَّ في الافق سلّمُ

وآمنتُ ان الحبَّ يوقد كلما

يصير ارتيابا ، والهوى العذب مُبهم

فأرجوك قل لي أنَّ حُبَّكَ ممكنٌ

فمِثلي بِصوتِ المُعْجِزاتِ يُسَلِّمُ

تَعَالَ لكَيْ تَنْسَى القَبيلةُ ثَأْرَهَا

ويَبْرَأُ من شِعْرِي الكَلامُ المُحَرَّمُ

سنكتبُ وَصْفًا مَا رَوَتْهُ رَبيعَةٌ

ولا عَبْدُ قَيْسٍ لو يُقَالُ تُجَرَّمُ

سنكتبُ عنْ عُذْرِيَّةِ الرُّوحِ تَمْتَطي

مُتونَ النَّوَايَا لوْ نَعَابُ ونُرْجَمُ

فَمَا كُلُّ تأْويلٍ سَيُهَدَرُ مِنْ دَمِي

ولا كُلُّ لَحْظٍ في العُيونِ سيُفْهَمُ

وما أجمل المعنى الذي لم تبحْ بهِ

فيعلو خيالي قَدْرَ ما أتوهمُ

لتُشْعِر روحي أنَّ صبْركَ حِكْمَةٌ

وصمتُك عن طيشِ الكلامِ لهُ (فمُ)

فَفِي الصَّمْتِ وَجْهٌ لِلْبَلاغَةِ حِينَمَا

بهِ نَذَرَتْ صوْمَ الْعِبَادَةِ مَرْيَمُ. ودار الكوكب السادس وهو الشاعر جابر الجميعة في فلك معاناة ابنه هشام، فقال: حتى متى يا منى عينيَّ تنتحبُ هل شفك الوجد أم أردى بك التعبُ ويل أوجاعك الملقاة في كبدي كل الذين لهم شعائر صلبوا ما لي سوى أدمعٍ سالت مكابرة منذ استويت وحتى هزك النصبُ قلبي وقلبك في الآهات متحدٌ كأنما خُلقت من دمعنا السحبُ يا زهرة في بساتين النقاء نمت وكوثرًا من نمير الحب ينسكبُ وديعة الله بين الناس أودعها أمر الجلال فسبحان الذي يهبُ …. لا شيء غير الحزن يطرق بابي متوزع بيني وبين عذابي ظل يرافقني له فكأنه يمشي معي ويشد في أثوابي أبتاه، قال سمعته وهو يبكي ويحمل وردة لعتابي ويردد الشجن القديم تألمًا وأنا أقول فداك كل شبابي ناديته فدنا، تحسس مهجتي بيديه ثم أشاح كالأغرابِ صادفته وجهًا فمدّ رداءه فوقي وأخمد ثورة الأعصابِ. وأردف بقصيدة عنوانها: طفل ملائكي، مهداة لأطفال التوحد في هذا العالم طفل يتمتم في الحديقة وحدهُ ويد من اللطف الخفي تشدهُ هو أجمل الأطفال يكفي قلبه من الطهر منسكبًا إليك يمدهُ ويشير للاشيء يحمل دمية هي بعض عالمه البرئ أعده يمتد منفردًا فيسرف في الرؤى لا شيء في هذا الوجود يحدهُ ويطارد النسمات يعلو للمدى حينًا وحينًا للطريق يسدهُ عيناه، جلسته، بكاه، وهمسه وكلامه اللا منطقي وسهدهُ وخياله الأقصى خيال قصيدةٍ جمحت فأطلق للمجرةِ قصدهُ متوشحٌ في ضحكة سحرية وإذا تجلى فاليراعة خدهُ متوحد بالحب جٌلّ حديثه وحيٌ وحينًا لا جدال يردهُ صلواته ببكائه وعناده والتمتمات كما الدروع تصدهُ هو بارع في العزف آلته الجدار وساعة يصغي فيطرب وجدهُ متصوفٌ متنسكٌ وبه سمات العارفين إذا تواتر وردهُ في قلبه نبضٌ بحجم حديقةٍ وبلا كلام يودها وتودهُ ألعابه قطع يكسِّر بعضها هو هكذا حين المزاج يهدهُ في صمته لغة تفرد سردها ويذوب من أرق ويقطر شهدهُ بلغت به الأفكار غاية سقفها فإذا الحياة يشدها وتشده.

وسابع الكواكب هو الشاعر ناصر المطاوعة الذي خاطب ولده بقوله: أتدري إيه لو تدري، كيف يكون شوق الأب حزن الأب حنين الأب لقمت إليّ يا ولدي تلاعبني، تشاغبني، تصاحبني، تعيد الروح في جسدي وتطفئ جمرة الصمت التي كم أنهكت كبدي. حين تنام يا ولدي أتمتم مثل عراف، أُبصِّر سرك المكنون، أُنجِّم حظك المغبون، وأحسب طالع الأيام وما تخفي لك الأعوام. أرى دنياك كيف تكون. أرى فيما أرى أفقًا رماديًّا وصمتًا مطبقًا ودخان. وأشجارًا بلا أغصان. وأزهارًا بلا ألوان، أرى بحرًا عصيّ الموج لم أعرف له قاعًا ولا أبصر له شطآن. أرى طيرًا مهيب الريش يا ولدي كسير القلب والجنحان. أرى ملكًا بريئًا مثل يوسف مودعًا سجنًا ولكن لا أرى سجّان، ولا قضبان. كم بصّرت يا ولدي وكم نجّمت ولا أدري أنا المغبون في فنجانه أم أنت أنا المسجون في أحزانه أم أنت، كلانا قد أضاع الدهر في عقد الهوى دربه، كلانا استوطن الوجع العصيّ شاغبًا قلبه، كلانا يا صغيري سوف يقضي العمر بين الصمت والغربة. لقد آمنت يا ولدي لقد أيقنت، أنا العراف والمغبون في فنجانه لا أنت *وخاتم الكواكب الدوارة* في فلك الإبداع كان الشاعر الأديب الدكتور طاهر البحراني الذي اعتلى المنصة بهندامه الطبي وملحقاته قائلًا: (أقف هذه الليلة أمام قامات الشعر والأدب في محافظة الأحساء، ولكن ماذا أقول؟ إن حبي للغة وشغفي بالشعر جعلني أتمسح بمسوح الشعراء. ولقد تعمدت في هذه الليلة أن أأتي مرتديًا لباس الأطباء وزيهم المميز لا لأكشف عن عيون أحدكم، ولكن لأرفع الالتباس عن المتلقي الذي يقول ما لهذا الرجل؟ لقد ترك مهنته ودخل فيما لا يعنيه؟ علمًا إنني لست من الشعراء، ولكنني من الغاوين الذين يتبعون الشعراء، إن ميولي للأدب والشعر وشغفي باللغة العربية كانت تراودني وأنا في المرحلة المتوسطة، ولما تخرجت من الثانوية في عام ١٩٧٠م كانت هذه الرغبات تنازعني، وكادت تميل بي إلى كلية الآداب واللغة، ولكن هناك يد امتدت لتقول لي تعال إلى هنا، تعال إلى كلية الطب فإنني سأجعلك طبيبًا وقد تكون شاعرًا أو أديبًا، ولكن إذا ذهبت إلى كلية الآداب لن تكون طبيبًا. وقد تكون شاعرًا أو أديبًا. فدخلت تحت عباءة كلية الطب، إلى أن تخرجت من تحت عباءتها في عام ١٩٧٧م في الدفعة الثانية من طلاب كلية الطب جامعة الرياض (سابقًا) الملك سعود (حاليًّا) فأردت أن أستريح قليلًا، وإذا بها تقول: لا وقت للراحة، فإن الدرب طويل والغاية بعيدة ولا بد أن تسير في هذا الطريق الطبي الشاق. وفي طريقي خرج من بين السحاب عينان جميلتان تقولان لي هلمّ إليّ لتتخصص في طب العيون، فدلفت إليها مسرعًا، وشاطرتها شعرًا، وأراشتني سهمًا من لواحظ عينها، فأصمت به قلبي وشلّت بي صدري.. وأودعت الأسقام جسمي، فتارة أقوم على جمر من القلب كالجمرِ، يدوبونني في كل يوم وإنني عن القول مشغول بصبٍّ وبالهجرِ، وعين لها قد خيم الليل بسطها، ودار عليها النور في غرة الفجر، وخصر لها قد خمص العطف جنبه، فأضحى يمين الظهر من ضمرة الخصر، وشعر لها قد صال بالطيب مسكنٌ يفوح شذاه مرسلُا نفحة العطرِ. أحوراء جودي بالوصال فوصلكم تقوم به الأموات من حفرة القبرِ….. وها أنذا أخوض في بحر السبعين من عمري وما زلت أعانق هذه الابنة لأرسم الابتسامة على العيون وأدخل الفرحة والسعادة في القلوب شعرًا، فكان من هذا وذاك أن خرج هذا الديوان بعنوان عيون وشجون” وألقى البحراني عدة قصائد، من بينها قصيدة قصيدة (لوعة أمهات) التي ألقاها قبل ذلك في حفل مدرسي بالأردن بحضور آباء وأمهات ذوي الاحتياجات الخاصة ومن ضمنهم ولده علي.. الله ما أقسى الزمن فيه بلايا وفتن، الناس يجمعها الهوى ونحن تجمعنا المحن، كان لكل موطن واليوم يجمعنا وطن، وطن به أكبادنا تركت وعدنا بالشجن، فهاجر ووليدها لا لم يكن لهما سكن، تُركت بأرضٍ قفرةٍ لا ماء فيه ولا لبن، ما فارقته دقيقة بالرغم من كل المحن، واليوم هذي الأمهات قلوبهن تُمتحن، بفراق أحباب لها والحب ليس له ثمن، هنا أمّنت أولادها والله خير المؤتمن. *وما بين فقرات الحفل حدثت جملة من التفاعلات* ، من عرض الفيلم الوثائقي لنور الشخص بعد قصيدة أحمد الحسين، وخليط منالمشاعر والأحاسيس، وتبرع الأخوان الكريمان حسين بن عمران المعتوق، وأخاه خليفة بن عمران المعتوق وعائلتهما الكريمة التي تقدمت بالمشاركة مع أطفال التوحد بالمساهمة بأرضين لهذا المشروع. *وفي ختام الأمسية* قدم مركز واثق هدايا تذكارية للمشاركين وللمتبرعين، ثم وقع الدكتور طاهر البحراني نسخًا من ديوانه عيون وشجون للحاضرين. جدير بالذكر أن الدكتور طاهر البحراني صاحب تجربة غنية وعميقة، وهو طبيب وشاعر وكاتب ومحاضر من مواليد الأحساء، استشاري طب العيون وجراحتها حاصل على شهادة الدكتوراه بطب العيون وجراحتها الزمالة السعودية. تقلد عدة مناصب وظيفية فقد كان مدير مستشفى الملك فيصل بالأحساء ومستشفى الصدر بالدمام. وهو رئيس اللجنة الطبية لطب العيون بالأحساء والمدير الطبي لمستشفى الملك فهد بالأحساء سابقًا. يعمل حاليًّا استشاري في طب العيون وجراحتها في مجمع عياداته الخاصة بالأحساء. له عدة بحوث علمية محكمة، كما أن له عدد من النشرات والكتيبات التثقيفية الإرشادية في مجال العيون. كما شارك في حلقات طبية في المجلات والإذاعة والتلفاز. من مؤلفاته ديوان عيون وشجون وكذلك كتاب الأمثال الأحسائية الشعبية، وهو مخطوط، ومجموعة من المقالات والمحاضرات المخطوطة. أما مركز واثق الذي افتتح عام 1445 للهجرة، ومركز الرعاية المبكرة التي افتتحت عام 1437، حيث يقدم واثق خدمات الرعاية والتأهيل للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، من خلال التدخل المبكر والعلاج الطبيعي/ الوظيفي وتعديل السلوك، مع توفير بيئة متكاملة لرعاية الأطفال وفق المعايير الأنسانية والعلمية من خلال الكوادر المؤهلة والامكانات المتاحة، لتحقيق قصة نجاح مع كل طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة. ويقدم واثق خدمات العلاج الوظيفي والطبيعي،

والنطق والتخاطب، ولديه تشخيص وتقييم، واختبارات ومقاييس

التكامل الحسي. وقبل خروج الضيوف تفقدوا أقسام المركز في جولة تفاعلية تجعلهم يخوضون تجارب حسية مشابهة لما يشعر به أطفال التوحد.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى