أقلام

السير الذاتية بين الحقيقة والتزوير

يوسف الحسن

بين الحقيقة والتزوير في كتابة السير الذاتية والغيرية، تزخر المكتبات بالآلاف من هذا النوع من الكتب التي لا يتوقف الناس عن شرائها أو قراءتها، لما تتميز به من جاذبية؛ إذ تجمع ما بين الأدب والتاريخ الاجتماعي، وربما السياسي، إضافة إلى الجانب الشخصي في حياة كاتبها.

وتراوغ بعض السير الذاتية قارئيها من خلال تضخيم أحداث هامشية من أجل تمرير أفكار يميلون إليها، أو التقليل من أخرى أو من شخصيات معينة، أو حتى إهمالها نهائيًّا حتى وكأنها غير موجودة في سير الأحداث، مع أن دورها كان محوريًّا، وذلك بسبب موقف شخصي أو تحيز فكري. وهكذا فإن السير الذاتية تبقى ممتعة وجاذبة ومفيدة للبعض حين يقرؤها، ولكنها محفوفة بمخاطر تزوير التاريخ الشخصي أو المجتمعي، وهو ما قد لا يستطيع أكثر القراء تمييزه. وإضافة إلى ذلك فقد تضيع حقيقة أشخاص أو شرائح اجتماعية لا لشيء إلا لأن أحدًا لم يكتبها.

ولا يمكن إرجاع التفاوت في النظر إلى السير الذاتية (أو حتى لكتابة التاريخ عمومًا) إلى الكذب المتعمد، بل قد يدخل في ذلك مجموعة من العوامل، من بينها زاوية النظر إلى حدث ما، أو طريقة تفسيره حسب خلفية كلٍّ. وكما قال أرنولد توينبي: حدثت مشاجرة أمام بيتي، وبعد ست ساعات سمعتها من الجيران بست روايات مختلفة، فما بالك بأحداث جرت منذ مئات السنين؟

وما يعتري كتابة بعض السير الذاتية من ضعف توثيقي هو نفسه ما يحدث فيما يسمى التاريخ الشفهي؛ من وقوع في أخطاء تاريخية بسبب الاعتماد على الذاكرة، التي تخون في كثير من الأحيان، دون أن تصنف في خانة الكذب.

ومما قد يقع فيه كاتبو السير الذاتية كتابتُهم أحداثًا في سيرهم الذاتية مضيفين عليها أو محللين لها بروح ذلك الوقت، وقد تكون سليمة ومبررة آنذاك، لكنها مستنكرة اليوم، والعكس بالعكس.

ومن المزالق التي قد يقع فيها بعضهم أن يكتب ما يريدك أن تطلع عليه فقط، مغفلًا ما لا يراه مناسبًا أو ما لا يتناسب مع توجهاته، أو ما يخجل من ذكره. وهنا تنقسم الآراء حول إغفال بعض الحقائق، حين يعد البعض ذلك نوعًا من الكذب، في حين يرى آخرون أن السيرة الذاتية مساحة حرة لكاتبها أن يذكر ما يشاء ويغفل ما يشاء ما دام يكتب سيرته الذاتية ولم يدَّعِ أنه يكتب التاريخ أو حتى تاريخ مجتمعه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى