
زينب المطاوعة: الدمام
اقام مجلس الزهراء الثقافي يوم الاثنين الماضي محاضرة بعنوان “الأمراض وطبقات وجود الإنسان” للدكتور طاهر جمعة الأربش، تناول فيها مجموعة من المحاور الفكرية والعلمية المرتبطة بحقيقة الإنسان وعلاقته بالصحة والروح والجسد، من بينها تركيبة وجود الإنسان وكونه يتكون من سبع طبقات سماوية وسبع طبقات أرضية، وشرح طبيعة هذه الطبقات ومدى ترابطها وتأثيرها في حياة الإنسان وصحته وسلوكه، إضافة إلى الحديث عن دور الروح في منح الجسد الحياة والطاقة، وعلاقة الأمراض بالحالة النفسية والروحية، وتأثير الغذاء والسلوك والأفكار على الإنسان، مع بيان الترابط بين الجسد والعالم المحيط به.
استهل الدكتور محاضرته بالتأكيد على أن ما سيطرحه لا يقوم على التأملات المجردة، وإنما على قراءة تجمع بين العلوم الحديثة والنصوص الدينية، موضحًا أن الإنسان ليس مجرد جسد مادي، بل كيان مركب يحمل أبعادًا متعددة وطبقات متداخلة، مشيرًا إلى أن الإنسان – بحسب الروايات التي استند إليها – يتكون من سبع طبقات سماوية وسبع طبقات أرضية، وأن هذه الطبقات لا تنفصل عن بعضها بل تعمل بصورة مترابطة ومتناغمة.
وأوضح أن الروح تمثل العنصر الأساسي في حياة الإنسان، فهي التي تمنح الجسد الحركة والطاقة والإدراك، مؤكدًا أن الجسد ما هو إلا “شاشة عرض” لوجود الإنسان الحقيقي، بينما يبقى الوجود الروحي هو الأصل. واستشهد بعدد من الروايات التي تتحدث عن خلق الأرواح قبل الأجساد، مبينًا أن الإنسان كان له وجود سابق للحياة الدنيوية، وأن الحياة الحالية تمثل مرحلة اختبار ترتبط بالطاعة والعمل والسلوك.
وتحدث الاربش مطولًا عن العلاقة بين الروح والجسد، مبينًا أن الأمراض لا ترتبط فقط بالأسباب العضوية المعروفة، بل تتأثر أيضًا بالحالة النفسية والروحية والسلوك الإنساني، معتبرًا أن الذنوب والمعاصي تنعكس على الإنسان في صور مختلفة، من بينها الاضطرابات النفسية والأمراض الجسدية، وأن الأعمال الإيجابية والطاعات تترك أثرًا واضحًا على صفاء النفس واستقرار الإنسان وصحته.
وأشار كذلك إلى أن الإنسان يتأثر بكل ما يحيط به، سواء من طعام أو أفكار أو علاقات أو بيئة اجتماعية، موضحًا أن الغذاء لا يؤثر على الجسد فقط، بل ينعكس أيضًا على السلوك والصفات النفسية، وأن الإفراط في الطعام يعد – بحسب ما طرحه – من أهم مسببات الأمراض المزمنة المنتشرة في العصر الحديث، مثل السكري وارتفاع ضغط الدم والكوليسترول، داعيًا إلى الاعتدال في الأكل والنوم وتقليل التعلقات الدنيوية.
كما تطرق الدكتور إلى تأثير البيئة النفسية والروحية على الجهاز المناعي، موضحًا أن التوتر المستمر والشعور بالذنب والقلق يؤثر بصورة مباشرة على كفاءة المناعة في جسم الإنسان، مستعرضًا أمثلة طبية من واقع عمله في المجال الصحي، إضافة إلى بعض الدراسات المتعلقة بتأثير المشاعر والأفكار على الحالة الجسدية.
وفي جانب آخر من المحاضرة، تناول الأربش الحديث عن الجهاز العصبي، واصفًا إياه بأنه “الطبقة السيادية” في جسم الإنسان، باعتباره المسؤول عن الإدراك والتفاعل وإدارة وظائف الجسم المختلفة، كما أشار إلى وجود ترابط بين الإنسان والكون من حوله، مستشهدًا بتشابهات بين الجهاز العصبي والأنظمة الكونية، في محاولة لتوضيح فكرة الترابط بين الإنسان والعالم المحيط به.
كما تطرق إلى موضوع الأحلام والتخدير، موضحًا أن الأحلام تكشف جانبًا من طبيعة الإنسان متعددة الطبقات، وأن الإنسان أثناء النوم ينتقل إلى مستويات إدراكية مختلفة، بينما يختلف التخدير الكامل عن النوم من الناحية العصبية والإدراكية، مستعرضًا بعض الجوانب المتعلقة بعمل أدوية التخدير وتأثيرها على الدماغ والجهاز العصبي.
وقد شهدت الأمسية تفاعلًا لافتًا من الحضور من خلال المداخلات والأسئلة، وأكد المشاركون أن المحاضرة فتحت أبوابًا واسعة للتأمل في طبيعة الإنسان وعلاقته بالصحة والإيمان والسلوك.
وفي ختام الأمسية، تقدّم المنظمون بالشكر للدكتور طاهر الأربش على ما قدمه من مادة علمية وفكرية ثرية، مشيدين بأسلوبه المبسط واعتماده على روايات أهل البيت عليهم السلام في تناول الموضوع، تقديرًا لإسهامه في إثراء الجانب الثقافي والمعرفي للحضور.





