أقلام

التبولة وشغف العمل

أمير الصالح

مطعم “باب اليمن” بالقاهرة على امتداد شارع التحرير بالقرب من دوار ميدان الجلاء على ضفاف نهر النيل الشهير هو مطعم حديث وجديد وواسع وله إطلاله مباشرة على نهر النيل، ويقع بالقرب من فندق الشيراتون الشهير وليس بعيد عن مجموعة فنادق خمسة نجوم في قلب العاصمة المصرية، وقريب من ميدان التحرير الشهير. شخصيًّا أحب بعض أطباق المطبخ اليمني، وما شد انتباهي هو جودة طعم أصناف المطبخ اليمني في إعداد أطباق اللحوم حيثما حل وارتحل. فلقد صادفت مطعم “القرية اليمنية” في مدينة كالجاري في كندا، ومطعم “حنيذ” في مدينة مونتريال الكندية، ومطعم “ريف اليمن والمطعم اليمني” بمدينة لاهاي الهولندية، وعدة مطاعم يمنية آخرى في بقاع أخرى من العالم شرقًا وغربًا. ولعل من زار مدينة جوانزو الصينية شاهد حجم المعروض من المطاعم اليمنية. وللعلم أضحت بعض شوارع برلين وفرانكفورت وبروكسل ولندن واسطانبول وأديس أبابا ومونوبليه ومرسيليا مكتظة بالمطاعم العربية ومنها اللبناني والمغربي واليمني والسوري. ولك أن تتخيل لو أن شركة مختصة في توريد اللحوم والدجاج ومزكاة من لجان شرعية بالنجف الأشرف والأزهر الشريف ومكة المكرمة تشهد بحلية تذكية اللحوم، ولك أن تتخيل لو أُنشئت فروع متعددة لمسالخ اللحوم الحيوانية الموردة لتلكم المطاعم في مواقع جغرافية متعددة تغطي القارات الست، فكم عدد الوظائف التي سيتم إحرازها وخلقها؟

الملفت أن المطبخ اليمني عادة يتضمن أطباقًا مثل لحم مندي ولحم حنيذ ولحم لباني ولحم مقلقل ولحم مخمود ومظبي ومكموت و زربيان وذات الأسماء لاطباق الدجاج وأصناف القلابات المختلفة مثل فحسة رضيع وسلتة ودقة وعقدة وصالونة ولحسة وفول حرضة/ فول بالدقة إلى جانب المخابزة مثل معصوب وملوح. وهذه الأطباق تجذب الزبائن الخليجية وبالخصوص السعوديين وليس المصريين أو الصينيين أو الأوربيين أو الأمريكيين أو الكنديين. فهل حجم تعداد سكان العرب في الدول غير العربية في تزايد يجعل الطلب على أطباق المطبخ اليمني في تصاعد أم أن فنون التسويق وذائقة سكان تلكم الدول تحب خوض تجارب طعام جديد.

لفت نطري أن مطعم “باب اليمن” أدرج في قسم المقبلات أطباقًا من المطبخ اللبناني، مثل: تبولة وفتوش ومتبل وحمص وبابا غنوج، فراودتني نفسي لتناول طبق تبولة كمقبلات إلى جانب طبق رئيس عبارة عن لحم لباني وعصير أفوكادوطازج. وكنت أتساءل: هل نشهد ولادة مطابخ هجينة hybrid kitchen تدمج أطباقًا من مطابخ عدة بهدف جذب الزبائن المستهدفين؟ أم أن خاصية أصناف كل مطلخ داخل كل مطعم ما زالت قائمة؟! شخصيًّا لن أستغرب إن رأيت مطاعم هجيبنة، كما رأينا الآن صيدليات هجينة تضم إلى جانب الأدوية العلاجية ركن بيع مواد غذائية وركن بيع أدوات تجميل وركن بيع عطور وركن بيع كتب صحية وركن بيع منشطات وركن بيع أدوات سفر!!!

كان كابتن الصالة مصريًّا ومالك المطبخ يمنيًّا وطباخو المطعم خليطًا من اليمنيين، والزبون خليجيًّا. دخل السرور لفؤادي حيث ينصهر أبناء الوطن العربي.

تساؤل طرأ على ذهني مع انتشار مطاعم الجاليات العربية في أوربا والشمال الأمريكي والصين، كيف تسوّق لمنتجاتها لضمان استمراريتها وإحراز تدفق سيولة في خزانتها واقتطاع حصة من السوق لها؟!

عند إدراج المطاعم العربية في الدول الغربية والشرق الأدنى ونوع المطابخ وأماكن انتشارها نرى أن المطعم اللبناني هو المتصدر والأكثر شهرة لسمو أطباقة ولذيذ طعامه وأناقته ونظافته، ويليه مطبخ الطعام المغربي، ثم المطبخ السوري، ثم المطبخ العراقي، ثم المطبخ التونسي. حديثًا أخذ المطعم اليمني يخترق السلم التراتبي نتيجة لانتشار الجاليات العربية بالغرب والشرق بسبب الحروب الأهلية والإقليمية أو بسبب التجارة أو الهجرات الاقتصادية أو الابتعاث التعليمي أو السياحات العلاجية.

فطبق الفول تراه في شارع Saint laurent، وطبق الكباب العراقي متوافر بشارع اللندني، وطبق الحنيذ متوافر في مدينة دربون، وطبق الهريس تراه في أحد متفرعات شارع الشانزليزية الفرنسي، وساندويتش الفلافل متوافرة في كل شوارع المدن الكبرى الأوربية، وساندويتش الشاورما في متناول يدك حيثما تحل وترحل بمدن أمريكا ومجمعات كندا وحتى شوارع ريو دي جانيرو البرازيلية.

(فاسعوا في مناكبها)

طلب الرزق الحلال يستوجب السعي الدؤوب في الأرض. البعض يحطم معنويات الآخرين عبر نشر روح القنوط من رحمة الله والترويج للبؤس ولا يكلف نفسه في حث الشباب على السعي الدائم لبلوغ مراده من الرزق الحلال.

طلب الرزق

لفت انتباهي قبل فترة من وجود رواد أعمال ناجحين بشكل صامت وبعيد عن الضوضاء من جاليات مختلفة في مواقع متعددة من دول الخليج، نجحوا في تأسيس وتأصيل اعمالهم التجارية والخدمات الغذائية والصيانة الصناعية. أورد هنا بعض الأمثلة:

١- بنغالي أسس محل ضيافة افتراضي عبر طباعة بطاقة عمل تتضمن اسمه ورقم هاتفه فقط؛ وتصله فعليًّا طلبات خدمة لصب القهوة والشاهي في الأفراح والأتراح والمناسبات، ويستعيش من مداخيل ذلك النشاط ومنذ مدة تجاوزت ٢٨ سنة.

٢- شابان سودانيان نشيطان اختصا في إصلاح أو استبدال مكائن كراجات البيوت والمحلات؛ وساعدا نفسيهما بنفسيهما في تكوين ضمان وظيفي مع شبه انعدام للمنافسة!!! فالناس تتعامل معهم لمنافسة السعر وجودة الخدمة.

٣- عاملان من دول الشمال الأفريقي تملكا سيارة فان وجهزاها بأجهزة مقاعد هيدرلوليك ودشنوها لخدمة نقل كبار السن والمقعدين من المستشفيات وإليها بأسعار تنافسية!!!

هذه الأمثلة خاطفة، وحتمًا هناك الكثير الكثير من الأمثلة. ولذلك أنصح الشباب من أبناء الوطن برفع معنويات بعضهم البعض ودراسة احتياج السوق وسد الاحتياجات والتميز في الخدمة.

٤- ترزي بنغالي في أحد أزقة مدينة برشلونة بدأ مساعد خياط بالكاد يحرز مقولة قوت من لا يموت، والان لديه عدة فروع مختصة في خياطة البدل الرجالية المميزة

بعض المحبطين والقانطين لا يعلمون أنه كان هناك نزوح من بعض الجاليات العربية عن أرض أوطانهم نتيجة لاضطرابات الحروب والتمزق هناك إلى بعض الدول الخليجية المستقرة، فكان رجال بعض تلكم الجاليات يجلبون أدوات إعداد التبولة من سوق الخضار المركزي (ربطات البقدونس+ طماطم + بصل ربيعي+ ليمون+ برغل+ زيت زيتون) ويودعون كل ذلك لزوجاتهن لإعداد أطباق التبولة. وبعد انتهاء النساء من التحضير، يقوم الرجال ببيع ما حضروه لبعض المطاعم بالكيلو مع هامش ربح نسبي ومعقول. وبدور أصحاب تلكم المطاعم يعيدون بيعه مع هامش ربح كبير ومجزٍ قد يصل ٥٠٠٪؜ أو أكثر، كما نُقل لي.

بينما البعض من أولئك المحبطين يبرر كسله بالقول إن طبق التبولة يحتاج شغل كثير وتحضيره متعب ؟! والواقع أن ربطة البقدونس الواحدة بنصف ريال وبقية المكونات لا تتجاوز تكلفتها مجملًا ريال ونصف، بينما يباع ملء وعاء قطره ٢١ سم بسعر ١٨-٢٨ ريال!!

يا طالب الرزق تذكر نداء الله (فاسعوا في مناكبها) فإن ورق العنب أضحى صناعة وتجارة تدر أموالًا كثيرة وفتحت بيوت عديدة وأنتجت وظائف متفرعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى