أقلام

الشيخ البن سعد من المدينة: الحج طريق الإصلاح للنفس

بشائر: الدمام

في أجواء إيمانية مفعمة بروحانية موسم الحج، ألقى سماحة الشيخ عبد الجليل البن سعد محاضرة فكرية وتربوية عميقة في المدينة المنورة خلال شهر ذي الحجة لعام 1447هـ، تناول فيها البعد الإصلاحي للحج باعتباره مشروعاً متكاملاً لإعادة بناء الإنسان روحياً وفكرياً ونفسياً، مؤكداً أن الحج ليس مجرد أداء لشعائر وطقوس، بل رحلة تغيير داخلي وإعادة تشكيل للنفس.

واستهل الشيخ محاضرته بالاستشهاد بقوله تعالى:

“جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس”

مبيناً أن مفهوم “القيام” الوارد في الآية يحمل دلالات واسعة تتجاوز حدود العبادة الشكلية إلى معاني الإصلاح الشامل للدين والدنيا، وإقامة الإنسان على طريق التوازن والاستقامة.

وأشار إلى أن أول ما ينبغي أن ينشغل به الإنسان في رحلته إلى بيت الله الحرام هو “إصلاح النفس”، معتبراً أن الحج مشروع تطوير ذاتي متكامل يلامس أعماق الروح والقوى الباطنة التي تتحكم بسلوك الإنسان وتوجهاته.

إصلاح مركزي متعدد المسارات

وأوضح الشيخ أن الإصلاح في الحج ليس إصلاحاً جزئياً أو مؤقتاً، بل هو “إصلاح مركزي” تتعدد مساراته وتتفرع أدواته، مبيناً أن الحج يفتح أمام الإنسان أبواباً واسعة للتغيير عبر عدة محاور أساسية، من أبرزها:

التوجه والانقطاع إلى الله

الحرص على الاستفادة والانفتاح المعرفي

تعميق الفقاهة والفكر

استشعار القضاء والقدر

معالجة النفس بأداة الخيال والتأمل

الخلوة مع الله.. علاج للأرواح

وفي حديثه عن “التوجه والانقطاع إلى الله”، شدد الشيخ على أهمية الخلوة الإيمانية، واصفاً إياها بأنها من أعظم العلاجات الروحية والنفسية التي تمنح الإنسان القدرة على مواجهة اضطراباته الفكرية والوجودية.

وشبّه الخلوة بالله بالصيام الجسدي، موضحاً أن الصيام يحطم الخلايا الفاسدة في الجسد، بينما تقوم الخلوة والانقطاع إلى الله بتحطيم “الخلايا الفاسدة” في الفكر والروح، بما تحمله من شكوك واضطرابات وأفكار مادية أو إلحاد.

وضرب الشيخ عدة أمثلة تاريخية ومعاصرة على أثر هذه الخلوة الروحية، من بينها تجربة المفكر الإيراني الراحل جلال آل أحمد الذي تحول – بحسب المحاضرة – من الفكر المادي إلى الإيمان العميق بعد تجربة الحج، وهو ما وثقه في كتابه الشهير قشة في الميقات.

كما استعرض قصة العالم والشاعر محمد سعيد الحبوبي الذي عانى في شبابه من إشكالات فكرية وعقدية، قبل أن يجد طريق الطمأنينة عبر تجربة روحية امتدت أربعين يوماً برفقة العارف الملا حسين قلي الهمداني في مسجد السهلة.

كما أورد الشيخ مثالاً معاصراً لشاب عانى من أفكار إلحادية وانقطع عن الصلاة والصوم، قبل أن يجد تحولاً جذرياً خلال تجربة الاعتكاف في المسجد، حيث أسهم الجو الإيماني والحوارات الهادئة في إعادة بناء قناعاته الروحية.

الحج ليس طقساً شكلياً

وأكد الشيخ أن كثيراً من الناس قد يؤدون الحج بصورة شكلية دون أن ينعكس ذلك على واقعهم النفسي والروحي، مشيراً إلى أن الحج الحقيقي هو الذي “ينظم المملكة الداخلية للإنسان”، ويجعله يعيش حالة اشتغال دائم بالله تعالى.

وأضاف أن الحاج مسؤول عن حماية أجواءه الإيمانية وعدم السماح للمشتتات بإفساد هذه التجربة، داعياً إلى استثمار أيام الحج في العبادة والخلوة وتلاوة القرآن والتأمل العميق.

الانفتاح على الاستفادة

وفي المحور الثاني، تحدث الشيخ عن أهمية الانفتاح على الاستفادة من العلماء والمربين والمرشدين الموجودين ضمن قوافل الحج، مؤكداً أن التواضع لله ورسوله ينعكس في استعداد الإنسان للاستماع والتعلم وتوسيع أفقه الفكري والروحي.

وأوضح أن الحج يمثل فرصة نادرة للاحتكاك المباشر بالنخب العلمية والتربوية، داعياً الحجاج إلى استثمار هذه البيئة المعرفية وعدم الاكتفاء بالأداء الشعائري المجرد.

الفقه بوصفه فكراً للحياة

أما في محور “تطوير الفقاهة وتعميقها”، فقد تناول الشيخ مفهوم الفقه بوصفه فكراً شاملاً لا يقتصر على مسائل الحلال والحرام، بل يتجاوز ذلك إلى بناء رؤية الإنسان للحياة وعلاقته بالله.

وأشار إلى أن التشريعات الإسلامية التي كانت موجودة في العصور الأولى – كالعتق والجهاد – لم تكن مجرد أفعال تاريخية مرتبطة بزمن معين، بل كانت وسائل لتكميل الإنسان روحياً وأخلاقياً.

وأوضح أن الحج في العصر الحاضر يمكن أن يؤدي أدواراً تكاملية مماثلة، تعوض غياب بعض صور التكامل القديمة، مستشهداً بما روي عن علي بن الحسين زين العابدين من اهتمام بالغ بالحج، حتى وصف الحج بأنه جهاده في زمنه.

كما استشهد بأقوال جعفر الصادق حول فضل قضاء حوائج الناس وفضل الحج، باعتبارهما من المسارات الكبرى لبناء الإنسان وتهذيب النفس.

الوصية واستشعار القضاء والقدر

وتناول الشيخ في المحور الرابع البعد الوجداني في الحج المرتبط بالشعور بالقضاء والقدر، مبيناً أن من السنن المستحبة للحاج كتابة وصيته قبل السفر، لما يحمله ذلك من استحضار عميق لفكرة الرحيل والمصير.

وأكد أن هذا الشعور يوقظ داخل الإنسان حالة المراجعة الذاتية والمحاسبة، ويمنحه فرصة لإعادة ترتيب أولوياته وإصلاح علاقته بالله والناس.

الخيال المسرحي وإعادة تشكيل النفس

وفي طرح لافت، تحدث الشيخ عن “معالجة النفس بأداة الخيال”، موضحاً أن بعض مناسك الحج تحمل أبعاداً تربوية عميقة يمكن فهمها عبر التأمل الرمزي والخيال المسرحي.

وأوضح أن السعي بين الصفا والمروة يمثل حالة الحيرة والتردد التي يعيشها الإنسان في رحلة إصلاحه الداخلي، وأن تكرار الأشواط يرمز إلى أن التغيير لا يتحقق من المحاولة الأولى بل يحتاج إلى صبر ونفس طويل وعزيمة مستمرة.

كما تناول رمزية الطواف حول الكعبة، مبيناً أنه يفكك وهماً شائعاً لدى البعض، وهو الاعتقاد بأن كثرة الناس والانشغال بالحياة يمنعان الإنسان من الأنس بالله.

وأشار إلى أن الحاج، رغم الزحام الهائل والأصوات واللغات المختلفة في المطاف، يبقى قادراً على التركيز الكامل في علاقته بالله، ما يثبت أن الكثرة ليست حاجباً عن الحضور الروحي متى ما كان القلب متوجهاً إلى الله بصدق.

الحج مدرسة لإعادة بناء الإنسان

واختتم الشيخ محاضرته بالتأكيد على أن الحج مدرسة متكاملة لإعادة بناء الإنسان من الداخل، وفرصة عملية لإصلاح النفس وتطهيرها من التشوهات الفكرية والروحية، مشدداً على أن نجاح الحاج لا يقاس فقط بأداء المناسك، بل بما يخرج به من تحول داخلي ينعكس على سلوكه وفكره وعلاقته بالله والمجتمع.

وأكد أن الحج، بما يحمله من خلوة وعبادة وتأمل ومجاهدة للنفس، يبقى واحداً من أعظم المشاريع التربوية والروحية التي تمنح الإنسان فرصة حقيقية للبدء من جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى