أقلام

لا تفترض

أمير الصالح

الإنسان بطبعه يصنع افتراضات عديدة لكي يمضي أيامه وساعاته للأمام أو ينجز عمل ما. فالمدرس يفترض بأن الطلاب سيلتزمون بأداء واجباتهم الدراسية دون غش أو تدليس لكي يفهموا الدرس بشكل أفضل، والأب الكادح يفترض بأن أبناءه سيذاكرون دروسهم عندما يغلقون أبواب غرفهم وسيخلدون للنوم بعد تناولهم لوجبة العشاء ليلًا، والسائق في الطريق يفترض أن مستخدمي الطريق الآخرين سيتقيدون بالأنظمة المرورية عند استخدامهم للطريق كما هو …. وهكذا دواليك. إلا أنه هناك افتراض واقعي وهناك افتراض تخيلي ووهمي.

حوار

يبرز سؤال: ما الذي يجعلك (يجعله / يجعلها / يجعلهن) محبط من أفعال / أقوال / تصرفات / ردود أفعال بعض من المقربين لك؟! وقد تعبر عن استياءك وغضبك وعدم رضاك في وقت وقوع الحادثة أو بعد حين ! وقد تتخذ قرارات مصيرية كالنأي بالنفس أو المغادرة للمكان أو الانفصال أو القطيعة بناء على درجة حدة إحباطك أو خيبة املك التي شعرت بها حينذاك وشقيت نفسك بها مدة زمنية ما!

في أوقات كثيرة تجد معظم الناس المحيطين بك لهم مقاصد ورؤى تختلف عن رؤاك وتطلعاتك وآفاقك وبعض أفكارك. وعند نشوء تصرف ما، من ذاك البعض فقد تفسره أنت / هو / هي على أنه نكث بالعهد أو سعي لإيقاع إيذاء أو تعمد الإهمال أو التطنيش أو تبديل الاصطفافات و المواقف أو تغير النوايا؛ بينما الواقع أن المحيطين بك كبروا ونضجوا وما وقع من تصرفاتهم لا يعدو أكثر من تعبير عن رأي مستقل أو اتخاذ موقف فردي، وكل مافي الأمر أنهم فقط يتصرفون بطريقة بعيدة عن توقعاتك وتصوراتك المعلبة عنهم!

وقد يكون الإحباط والألم الذي يحسه ويشعر به هذا أو ذاك من الناس تجاه بعض عناصر بشرية محيطه بهم هو بسبب أن المصاب بخيبة الأمل صنع نسخه وردية متخيله عن أولئك الأشخاص في أذهانهم حتى أنهم أخذ يعتقد المتخيلون أن الناس يفكرون مثلهم ويردون الجميل بأحسن منهم، ويفكرون بالطريقة ذاتها ويهتمون بالموضوعات ذاتها، ويدرجون الأولويات ذاتها ويحترمون الأمور ذاتها بالطريقة التي هم ألزموا أنفسهم بها وتقيدوا بها.

ومن هنا تأتي المعاناة أو الصدمة لدى البعض بعد وقوع تشتت في ردود الفعل لحدث ما، وتبدأ قصص الاصطدام بالواقع. عند التمحيص لمواقف البعض ما بعد وقوع مفصلي ما فإن الأوراق والناس يكونون في مفترق طرق مابين مؤيد وغير مؤيد وصامت متفرج، وما بين فاعل وسلبي وقناص فرص ومراءٍ.

المعضلة الكبرى لدى البعض- وهي بالواقع ليست بمعضلة- هي إسقاط القيم والقناعات التي يؤمن بها أحدهم على الآخرين وتوقع أن الآخرين سيتصرفون بناء على تلكم القيم والقناعات. الأدهى والأنكى أن يتوقع البعض أن الشي البدهي ذاته بالنسبة لهم واجب أن يكون بدهي وواضح للآخرين أيضًا!!!!!

غالبية الناس المستقلين لا تتصرف بناء على أولويات مشاعر وتخيلات الآخرين، وإنما هم يتصرفون بناء على رؤاهم وأولوياتهم و مصالحهم وإن تقاطعوا في ذات القيم والمبادئ مع الآخر.

العبرة المستفادة

عزيزي الإنسان الراقي لطفًا توقف عن توقع أن الناس هم نسخة منك فكرًا وإيمانًا وقناعات وتصرف وسلوك، إنهم باختصار يتصرفون ويفكرون كما أنت تتصرف وتُفضل وتحس وتتنبأ وتحلل وتنفذ.

عزيزي الإنسان المُفترض لا تجعل من نفسك حيطة هابطة ولا سور مرتفع، وإنما توقف عن إعطاء افتراضات خاطئة عمن هم في محيطك وامضِ في حياتك بناء على الأكثر جدوى لمشروعك لكي تعيش بسلام، وتفادى إسقاط قناعات وخيالات في حق اشخاص آخرين فربما خسرته وخسرك. تفادى الافتراضات الخاطئة في حق الآخرين! واعمل باقصى جهدك لترسيخ أساليب التواصل الفعال مع محيطك لإبلاغ خطتك، رسالتك، شرح أهدافك.

قيم وقيم

للبعض قيم ومفاهيم ومصطلحات تشكلت وبنى عليها منذ الطفولة أو سن المراهقة وشكل محاور علاقاته عليها؛ ومنها على سبيل المثال: الإيمان بالله، احترام الدين، الدفاع عن الأرض والمال والشرف، صلة الرحم بشكل دائم، الالتفاف حول الأسرة والسعي الدؤوب لإحراز الحد الأدنى من الكرامة المالية والقناعة بما قسم الله واحترام الناس وجبر الخواطر وتجنب إيذاء الناس وحفظ الحقوق.

وهناك ممن بنى كل قيمه على أساس الغاية تبرر الوسيلة وأن ليس هناك: قيم ثابتة وحق مطلق وعدالة، وإنما لكل شي ثمن مالي ملموس، وأن المصالح في وجهة نظرهم أهم من أية قيم واعتبار آخر. وأن التغيير يجب أن يطول كل شي حتى الثوابت وصلة الرحم كما طال التجارة والعلوم والتقنية والأعراف!!!

الثقة بالله

حتما التغيير المتسارع في كل بقع العالم بنى جسور وفرص جديدة لأناس إيجابيين وكرس مفاهيم عوراء عرجاء لأشخاص آخرين؛ وفي الوقت ذاته جرف التغيير غير المنضبط وسيجرف الكثير من الناس في عدة نطاقات منها نطاق الأفكار ونطاق أنماط المعيشة والمفاهيم لا بل والقيم والسلوك والاتزان. ولذا على الإنسان الواعي أن يقفز على أي افتراض عمن هم حوله ويعطي كامل ثقته لله ولكلماته التامة ووعوده الصادقة مهما أظلمت الدنيا؛ أما سواه من الأحياء، فهم قابلون على التغيير والبعض ينجح والبعض يرسب والبعض ينمو نحو الأفضل والبعض ينجرف نحو الأسوأ.

لا تفترض

عليه ينصح أهل الاختصاص في التواصل الفعال effective communication بأنه عند حديثك مع شخص ما وحبك لتاكد إيصال رسالة أو عقد اتفاق ما أن تسأله بالختام، عما فهم من حديثك وعما اتفقتما عليه. تأكيد فهم الطرف الآخر لمسودة اتفاقك وتعهده بالالتزام بذلك يجنب أي إحباط أو خذلان أو اهتزاز في الثقة.

نكث العهد

يحدث وحدث وسيحدث نكث للعهود من قبل أشخاص وقعوا في حب الدنيا حتى أخمص أقدامهم. فسجل ويسجل التاريخ من باع بني جلدته من أجل امرأة جميلة، ومن باع أهله من أجل حفنة من مال، ومن استباح حِرم الله من أجل وجاهة مزورة، ومن خذل أبويه من أجل سراب، ومن استخف/ استخفت بوعود شريك حياته من أجل وهم منصب وظيفي، ومن استهان بزملائة وبني قومه من أجل استضحاك متابعيه في السوشل ميديا!!

وعليه ننبه الإنسان الواعي العاقل على قراءة سلوك وأفعال من يريد أن يبني آماله وأعماله وطموحه معهم، وتمحيصهم قبل أن يفترض افتراضات خاطئة عن مثل أولئك الأشخاص.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى