أقلام

الغدير: اللحظة التي اكتمل فيها البيان وبدأ الامتحان

أحمد الطويل

مقدمة:

سؤال يفرض نفسه بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا ليس: ماذا حدث في غدير خم؟

بل: لماذا تبقى بعض اللحظات حيّةً إلى هذا الحد؟

هناك أحداثٌ يصنعها الزمن ثم يطويها، وهناك أحداثٌ تتجاوز زمنها لأنها تمسّ سؤالًا لا يتوقف عن العودة. والغدير واحدٌ من تلك اللحظات.

فليس كل امتحانٍ يبدأ حين يغيب الحقّ، بل قد يبدأ حين يكون حاضرًا بأوضح صورة. وليس كل اختلافٍ ينشأ من غموض الحقيقة، بل قد ينشأ أحيانًا بعد اكتمال البيان نفسه.

ولهذا، لم يكن الغدير نهاية حديثٍ بدأ في الصحراء، بل بداية سؤالٍ لا يزال يُطرح على كل جيل: ماذا يفعل الإنسان حين تقف الحقيقة أمامه كاملةً؟

حين بلغ البيان غايته

في طريق عودة المسلمين من حجة الوداع، توقّف النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غدير خم، وجمع الحشود تحت حرّ الشمس، ثم خطب فيهم خطبةً طويلة، قبل أن يأخذ بيد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ويقول: “من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه” (مسند أحمد، ج4؛ بحار الأنوار، ج37).

وكأن الزمن توقّف في تلك اللحظة؛ نبيٌّ يوشك أن يرحل، وأمّةٌ تستعدّ لدخول مرحلةٍ جديدة، ورسالةٌ لا بدّ أن تُبيّن ما يحفظ امتدادها بعد غياب صاحبها.

ولم يكن المشهد عابرًا حتى يُترك دون تأكيد قرآني، فجاء قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (المائدة: 67).

ثم أعقب ذلك قوله تعالى:

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: 3).

ومن هنا يرى أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام أن الغدير لم يكن تكريمًا لشخصيةٍ عظيمةٍ فحسب، بل إعلانًا عن امتداد مشروع الهداية بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأن الرسالة التي بُنيت لتقود الإنسان لا يمكن أن تُترك بلا مرجعٍ يحفظ معالمها ويصون أصالتها.

المشكلة ليست دائمًا في غياب الحقيقة

حين نقرأ التاريخ، نكتشف أن المشكلة الكبرى لم تكن غالبًا في نقص الأدلة، بل في طريقة استقبالها.

فنوح عليه السلام دعا قومه قرونًا. وموسى عليه السلام أراهم الآيات البيّنات. وعيسى عليه السلام جاء بالمعجزات. ومع ذلك بقي الاختلاف قائمًا.

ولهذا يقول القرآن الكريم:

﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (آل عمران: 19).

إنها حقيقةٌ تستحق التأمل: ليست كل أزمةٍ ناتجة عن غياب النور، بل قد تكون بسبب عدم الرغبة في السير خلفه.

ولهذا يبدو الغدير أعمق من كونه واقعةً تاريخية؛ إنه يكشف طبيعة الإنسان حين يُوضع أمام مسؤولية الاختيار. فالحقّ لا يفرض نفسه بالقوة، بل يدعو الإنسان ليختار موقعه منه.

حين يتحوّل الولاء إلى مشروع حياة

لو كان الغدير حدثًا تاريخيًا فقط، لانتهى بانتهاء يومه. ولكن سرّ بقائه أنه تحوّل إلى منظومة قيم.

فالولاء في منطق أهل البيت عليهم السلام لا يبدأ من العاطفة وحدها، بل من الاقتداء.

وما قيمة أن نحبّ العدل إذا لم نكن عادلين؟ وما قيمة أن نمجّد الصدق إذا لم نكن صادقين؟ وما قيمة أن نرفع اسم علي عليه السلام إذا لم نحمل شيئًا من أخلاق علي؟

ولهذا رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام: “كونوا لنا زينًا ولا تكونوا علينا شينًا” (الكافي، ج2).

فأهل البيت لم يريدوا أتباعًا يحفظون الأسماء فقط، بل أرادوا إنسانًا يترجم المبادئ إلى واقعٍ معاش.

وهنا تتجلّى عالمية الغدير؛ لأنه لا يدعو إلى الانتماء الشكلي، بل إلى بناء الإنسان الذي يكون أقرب إلى الحقّ والرحمة والعدل والكرامة.

الغدير: حين يتحوّل الحدث إلى ميزان

معظم الأحداث تبقى في الكتب، ثم تتحول مع الزمن إلى معلوماتٍ تُروى. أما الغدير، فلم يبقَ لأنه حدثٌ تاريخي فحسب، بل لأنه تحوّل إلى ميزان.

فالإنسان لا يُختبر مرةً واحدة، بل يتكرر امتحانه بأشكالٍ مختلفة. كلما تعارض الحقّ مع المصلحة، عاد سؤال الغدير. وكلما اصطدمت القناعة الصادقة برغبة النفس، عاد سؤال الغدير. وكلما وقف الإنسان بين ما يريده هو وما يقتضيه الحق، عاد سؤال الغدير من جديد.

ولهذا، فإن قيمة الغدير لا تكمن في أنه أخبر الناس بمن يتولّى القيادة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فحسب، بل في أنه كشف قاعدةً أعمق: أن الإيمان الحقيقي لا يظهر عندما توافق الحقيقة أهواءنا، بل عندما تطلب منا أن نتجاوز أهواءنا إليها.

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65).

ومن هنا بقي الغدير حيًّا؛ لأنه لم يعد يومًا في التاريخ، بل أصبح سؤالًا يتكرر في كل عصر: هل نتبع الحق لأنه حق، أم نتبعه ما دام يوافق ما نريده؟

الخلاصة:

حين انتهى ذلك اليوم في غدير خم، تفرّق الناس إلى مدنهم وقبائلهم، لكن الامتحان لم ينتهِ معهم.

فالبيان قد يكتمل في لحظة، أما الموقف منه فقد يمتدّ عبر الأجيال.

ولعلّ أعظم ما يكشفه الغدير أن الإنسان لا يُختبر فقط عندما تغيب الحقيقة، بل حين تكون واضحةً إلى درجةٍ لا يبقى معها عذرٌ إلا ما يصنعه الإنسان لنفسه.

ولهذا، فإن الغدير لا يتركنا أمام سؤالٍ عن الماضي، بل أمام سؤالٍ عن أنفسنا.

فلو كنا هناك يوم اجتمع الناس تحت شمس غدير خم، هل كنّا سنرى ما قيل على أنه حقيقةٌ تستحق الاتباع، أم كنّا سنبحث عن تفسيرٍ يوافق ما نريده نحن؟

وربما لا يكون الامتحان الأكبر أن نعرف ماذا حدث في الغدير، بل أن نعرف كيف نتعامل مع الحقيقة حين تكون واضحةً إلى درجةٍ لا تحتاج إلا إلى قلبٍ صادق.

فكم من حقائق مرّت في حياتنا، لا لأنّها كانت غامضة، بل لأننا لم نكن مستعدين لرؤيتها.

وربما لن يُسأل أكثرنا يوم القيامة: هل كنت حاضرًا في غدير خم؟ بل قد يُسأل: حين وقف الحقّ أمامك واضحًا في حياتك، كم مرة عرفتَه ثم تركتَه؟

اللهم أرِنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتباعه، ولا تجعل أهواءنا حجابًا بيننا وبينه. وارزقنا بصيرةً نعرف بها مواقع الهداية، وقلبًا يخضع للحقيقة إذا ظهرت، وثبّتنا على ولاية محمدٍ وآل محمد، ولا تجعلنا ممن عرفوا الحق ثم أعرضوا عنه.

المصادر:

القرآن الكريم

مسند أحمد بن حنبل

الكافي – الشيخ الكليني

بحار الأنوار – العلامة المجلسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى