
أحمد الطويل
تنويه:
هذه المقالة هي الثالثة من سلسلة “الحسين الذي لا يغيب”، نتأمل فيها جانبًا من سرّ استمرار النهضة الحسينية، وكيف استطاعت مدرسة أهل البيت عليهم السلام أن تجعل الإمام الحسين عليه السلام حاضرًا في الفكر والقلب معًا، حتى بقيت رسالته حيّةً في وجدان المؤمنين عبر الأجيال.
مقدمة:
إذا كانت كربلاء قد بقيت حجةً على الإنسان في كل عصر، فإن السؤال الذي يبرز بعد ذلك هو: كيف بقيت هذه الحجة حيّةً في النفوس؟ وكيف استطاعت أن تعبر القرون من غير أن تبهت أو تتحول إلى ذكرى تاريخية جامدة؟
لقد عرف التاريخ شخصياتٍ عظيمةً تركت أفكارًا ومواقف، لكن كثيرًا منها بقي حبيس الكتب أو صفحات التاريخ. أما الإمام الحسين عليه السلام، فقد بقي حاضرًا في حياة الناس حضورًا يتجدد عامًا بعد عام، وجيلًا بعد جيل، حتى أصبحت قضيته جزءًا من الوجدان قبل أن تكون مادةً للمعرفة.
ولم يكن هذا الحضور وليد العاطفة وحدها، كما لم يكن ثمرة المعرفة العقلية وحدها، بل لأنه قام على اجتماع الأمرين معًا؛ فالعقيدة منحت النهضة معناها، والعاطفة حفظت حضورها، فصار العقل يهدي إلى الحسين، والقلب يتعلّق به، وتحول الولاء له إلى وعيٍ يعيش في الفكر، وإحساسٍ يسكن الضمير.
ومن هنا لم تكن المجالس، ولا الزيارات، ولا البكاء على الإمام الحسين عليه السلام طقوسًا منفصلة عن رسالته، بل كانت وسائل لحفظ تلك الرسالة حيّةً في النفوس، حتى تبقى كربلاء مدرسةً تُربّي الإنسان على الموقف قبل أن تستدرّ دمعته.
وهنا يبرز سؤالٌ مهم: كيف استطاعت مدرسة أهل البيت عليهم السلام أن تجمع بين العقيدة والعاطفة، بحيث لا تطغى إحداهما على الأخرى؟ وكيف أصبح هذا التوازن أحد أسرار بقاء الإمام الحسين عليه السلام حاضرًا في ضمير الأمة؟
وهذه وقفةٌ مع عاشوراء حين يلتقي الوعي بالوجدان.
حين يجتمع الوعي بالوجدان
من سنن الرسالات الكبرى أنها لا تعيش بالعقل وحده، ولا بالعاطفة وحدها. فالفكرة التي تبقى حبيسة الأذهان قد تضعف مع مرور الزمن، والعاطفة التي لا تستند إلى وعي قد تذبل أو تنحرف عن مقصدها. أما إذا اجتمع الوعي والوجدان، فإن الرسالة تكتسب من أسباب البقاء ما يجعلها تتجاوز حدود الزمان.
وهذا ما تجلّى بوضوح في النهضة الحسينية. فلم تُقدَّم كربلاء للأمة على أنها مأساة تُبكي القلوب فحسب، ولا على أنها قضية فكرية تُناقش في الكتب فحسب، بل قُدِّمت بوصفها مدرسةً تجمع بين الإيمان الصادق، والموقف الواعي، والعاطفة الصافية.
ولهذا لم يكن الارتباط بالإمام الحسين عليه السلام ارتباطًا وجدانيًا مجردًا، كما لم يكن معرفةً ذهنيةً بحتة، بل أصبح ولاءً يجمع بين الاقتناع والمحبة، وبين البصيرة والتأثر. فكان العقل يهدي إلى الحق الذي قام من أجله الحسين، وكان القلب يحفظ حرارة ذلك الحق من أن تخبو مع تعاقب السنين.
ومن هنا نفهم سرّ حضور الإمام الحسين عليه السلام في حياة المؤمنين. فكلما ازداد الإنسان معرفةً بأهداف نهضته، ازداد تعلقًا به، وكلما ازداد تعلقًا به، دفعه ذلك إلى مزيدٍ من التأمل في رسالته. وهكذا يتكامل العقل والقلب في حفظ القضية، فلا تصبح مجرد فكرةٍ باردة، ولا مجرد عاطفةٍ عابرة.
ولعل هذا هو أحد أعظم أسرار خلود النهضة الحسينية؛ فقد استطاعت أن تبقي الوعي حيًّا بالعاطفة، وأن تحفظ العاطفة من الانحراف بالوعي. ولذلك بقي الإمام الحسين عليه السلام حاضرًا في القلوب كما هو حاضر في العقول، وبقيت كربلاء مدرسةً تربي الفكر والوجدان معًا.
زيارة عاشوراء إعلان موقف
ليست زيارة عاشوراء مجرد نصٍ يُقرأ في مناسبةٍ معينة، ولا مجموعةً من العبارات التي يرددها المؤمن طلبًا للثواب، بل هي وثيقةٌ عقائدية ترسم بوضوح موقع الإنسان من نهضة الإمام الحسين عليه السلام.
فالزيارة لا تقتصر على استذكار ما جرى في كربلاء، وإنما تنقل القارئ من دور المتفرج على التاريخ إلى موقع صاحب الموقف. فهي لا تكتفي بسرد الأحداث، بل تدعو الإنسان إلى أن يحدد موقعه من الصراع الدائم بين الحق والباطل.
ولهذا تبدأ الزيارة بالسلام على الإمام الحسين عليه السلام، ثم تنتقل إلى إعلان البراءة من الظالمين، لتؤكد أن الولاء للحسين لا ينفصل عن البراءة من النهج الذي واجهه. فالقضية ليست مجرد محبةٍ لشخص الإمام، بل انتماءٌ إلى القيم التي نهض من أجلها، ورفضٌ لكل ما وقف في وجهها.
ومن أبلغ ما تجسده زيارة عاشوراء قول الزائر: “إني سلمٌ لمن سالمكم، وحربٌ لمن حاربكم”. فهذه العبارة ليست إعلانًا عاطفيًا، بل ميثاق ولاء، يربط الإنسان بخط أهل البيت عليهم السلام في الفكر والموقف والسلوك.
ومن هنا لم تعد كربلاء حدثًا يخص الماضي، بل أصبحت معيارًا يزن به المؤمن مواقفه في الحاضر. فزيارة عاشوراء تذكّره دائمًا بأن الولاء الحقيقي لا يكون باللسان وحده، وإنما بالانحياز إلى الحق حيث كان، ومواجهة الباطل مهما تغيّرت أسماؤه وصوره.
ولهذا حفظت زيارة عاشوراء البعد العقائدي للنهضة الحسينية، فلم تسمح أن تتحول كربلاء إلى مجرد ذكرى مؤثرة، بل أبقتها قضيةً حيةً تُجدد الوعي، وتربط المؤمن بالمبادئ التي استشهد الإمام الحسين عليه السلام من أجلها.
الزيارة الناحية حين يتكلم الوجدان
إذا كانت زيارة عاشوراء ترسّخ الموقف العقائدي، فإن الزيارة الناحية المقدسة تحيي الجانب الوجداني من النهضة الحسينية. فهي لا تخاطب العقل بالحجج بقدر ما تخاطب القلب بلغة الوفاء والحزن والمحبة.
فالناحية المقدسة لا تروي أحداث كربلاء كما يرويها المؤرخ، وإنما تستحضرها كما يعيشها المحب. فهي تجعل القارئ يقف عند تفاصيل المأساة، ويتأمل ما جرى على الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه، حتى يشعر أن كربلاء ليست حادثةً بعيدة، بل واقعٌ حيٌّ في وجدانه.
ومن أبلغ ما جاء فيها خطاب الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف لجدّه الحسين عليه السلام: “فلأندبنك صباحًا ومساءً، ولأبكين عليك بدل الدموع دمًا”.
وليس المقصود من هذا البكاء مجرد إظهار الحزن، وإنما بيان أن العلاقة بالحسين عليه السلام علاقةٌ لا يحدها زمان، وأن المصاب الذي وقع في عاشوراء بقي حيًّا في وجدان إمام العصر، كما بقي حيًّا في وجدان المؤمنين.
ومن هنا تؤدي الزيارة الناحية دورًا مختلفًا عن زيارة عاشوراء. فالأولى تعلّم الإنسان مع من يقف، أما الثانية فتغرس في قلبه معنى هذا الوقوف، حتى لا يتحول الولاء إلى معرفةٍ جافة، ولا يصبح الموقف مجرد فكرةٍ مجردة.
ولهذا كان الوجدان في مدرسة أهل البيت عليهم السلام شريكًا للعقل، لا بديلًا عنه. فالمحبة الصادقة تحفظ حرارة الإيمان، وتجعل القيم أقرب إلى النفس، وأشد حضورًا في السلوك.
ومن هنا بقيت كربلاء حيّة؛ لأن أهل البيت عليهم السلام لم يكتفوا بتعليم الناس مبادئ النهضة الحسينية، بل ربّوا قلوبهم أيضًا على حبّ صاحبها، حتى بقيت الرسالة حيّةً بحرارة العاطفة كما بقيت بنور البصيرة.
البكاء حين يتحول الحزن إلى وعي
قد ينظر بعض الناس إلى البكاء على الإمام الحسين عليه السلام على أنه مجرد تعبيرٍ عن الحزن، لكن مدرسة أهل البيت عليهم السلام قدّمت له معنىً أعمق من ذلك. فهو ليس انفعالًا عابرًا، ولا غايةً مستقلة، بل وسيلةٌ تُبقي الرسالة حيّةً في القلب، كما يبقيها العقل حيّةً في الفكر.
فالبكاء الصادق لا ينشأ من مجرد التأثر بالمأساة، بل من إدراك عظمة القضية التي استشهد الإمام الحسين عليه السلام من أجلها. وكلما ازداد الإنسان معرفةً بالحسين ونهضته، ازداد ارتباطه به، وأصبحت دموعه تعبيرًا عن هذا الارتباط الواعي.
ولهذا لم يكن البكاء في الثقافة الحسينية دعوةً إلى الاستسلام أو الانطواء، بل كان وسيلةً لتجديد العهد مع المبادئ التي قامت عليها كربلاء. فهو يرقّق القلب، ويمنعه من القسوة والغفلة، ويجعل الإنسان أكثر استعدادًا للانتصار للحق في حياته العملية.
وقد عبّر الإمام علي عليه السلام عن أثر الدموع الصادقة بقوله في دعاء كميل: “وسلاحي البكاء”.
فالبكاء هنا ليس علامة ضعف، بل قوةٌ روحية تعيد الإنسان إلى الله، وتحيي ضميره، وتعينه على مقاومة هوى النفس.
ومن هنا نفهم لماذا بقي البكاء على الحسين عليه السلام حاضرًا عبر القرون. فلو كان مجرد عاطفةٍ عابرة لانطفأ مع الزمن، لكنه بقي لأنه ارتبط برسالةٍ لا تزال حية، وبقيمٍ لا يزال الإنسان بحاجةٍ إليها في كل عصر.
فكل دمعةٍ صادقة تحمل في داخلها معنى الولاء، وكل مجلسٍ يُذكر فيه الحسين عليه السلام يذكّر الإنسان بأن الحق يستحق أن يُنصر، وأن المبادئ تستحق أن يُضحّى من أجلها.
ولهذا لم يكن البكاء على الحسين نهاية الطريق، بل بدايته؛ لأنه إذا لم يتحول إلى بصيرةٍ في الفكر، واستقامةٍ في السلوك، ووفاءٍ للمبادئ، بقي أثره ناقصًا. أما إذا أثمر وعيًا وعملًا، فقد أدى رسالته التي أرادها أهل البيت عليهم السلام.
ويبقى الحسين حاضرًا
لقد حفظت مدرسة أهل البيت عليهم السلام نهضة الإمام الحسين عليه السلام بطريقين متلازمين: فحفظت وعيها بالنصوص التي ترسم الموقف، وحفظت حرارتها بالوجدان الذي يبقيها حيّةً في القلوب.
ومن هنا لم تكن زيارة عاشوراء، ولا الزيارة الناحية، ولا البكاء على الحسين عليه السلام طقوسًا منفصلة، بل وسائل متكاملة لحفظ الرسالة جيلاً بعد جيل.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن لهذا الارتباط بالحسين عليه السلام أن ينعكس على سلوك الإنسان في حياته اليومية؟ وكيف يتحول الحب إلى أخلاق، والولاء إلى مسؤولية؟
ذلك ما سنتأمله في المقالة الرابعة بإذن الله.
اللهم ارزقنا قلبًا يحييه حبُّ الحسين عليه السلام، وبصيرةً نهتدي بها إلى الحق، ووفّقنا للسير على نهجه قولًا وعملًا، إنك سميعٌ مجيب.





